أثار رئيس أركان الجيش الفرنسي فابيان ماندون عاصفة من الجدل بعد إعلانه أن على فرنسا أن تكون مستعدة لـ”قبول خسارة أبنائها” في حال اندلاع مواجهة عسكرية مستقبلية مع روسيا. جاءت تصريحاته خلال مؤتمر رؤساء البلديات في باريس، حيث أكد أن السلام “لا يمكن افتراضه إلى الأبد”، وأن بلاده قد تضطر لتحمل أعباء بشرية واقتصادية إذا دخلت في صراع واسع مع موسكو.
تصريحات ماندون، وهو أعلى مسؤول عسكري في البلاد بعد الرئيس إيمانويل ماكرون، خرجت عن السياق التقليدي الذي يلتزم فيه العسكريون في فرنسا بحذر شديد عند مناقشة احتمالات الحرب. واعتُبرت الجملة التي دعا فيها إلى تقبّل “خسارة أبنائها” بمثابة تحذير صريح للمجتمع الفرنسي، في لحظة تشهد فيها أوروبا توتراً متصاعداً مع روسيا منذ غزو أوكرانيا عام 2022.
تحذير متعمّد أم محاولة للتأثير في السياسات الدفاعية؟
بحسب ماندون، تستند تصريحاته إلى معلومات استخباراتية تشير إلى أن روسيا تستعد لـ“مواجهة مع الدول الغربية بحلول عام 2030”، وأن موسكو باتت مقتنعة بأن “عدوها الوجودي هو الناتو والدول الأوروبية”.
هذا التقدير يتقاطع مع تقييمات استخبارات بريطانية وألمانية سبق أن حذّرت من احتمال توسّع النشاط العسكري الروسي بعد انتهاء المرحلة الحاسمة في أوكرانيا.
لكن توقيت التصريحات جاء حساساً للغاية، في ظل نقاش داخلي حول رفع الإنفاق الدفاعي، وزيادة عدد القوات القتالية، وإعادة هيكلة الصناعات العسكرية الفرنسية لتلائم “حروب الجيل القادم”. وبالتالي، يرى محللون أن ماندون يحاول الضغط على الطبقة السياسية والرأي العام لقبول تغييرات عميقة قد لا تكون شعبية.
ردود فعل غاضبة عبر الطيف السياسي
قُوبلت تصريحات رئيس الأركان بردود فعل حادة وسريعة من مختلف التيارات السياسية:
جان لوك ميلونشون، زعيم اليسار الراديكالي، قال إن “ليس من دور رئيس الجيش الدعوة إلى حرب لم يقررها أحد”.
سيباستيان شينو، نائب رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، اعتبر أن ماندون “غير مخول بإثارة الخوف لدى الفرنسيين بتصريحات كهذه”.
فابيان روسيل، زعيم الحزب الشيوعي، هاجم ما وصفها بـ “خطابات إثارة الحرب التي لا تُحتمل”.
هذا الإجماع النادر بين اليمين واليسار يعكس حساسية الرأي العام الفرنسي تجاه فكرة التورّط في حرب مباشرة مع روسيا، خاصة مع تداعيات الحرب في أوكرانيا، والتراجع الاقتصادي، وارتفاع الضغوط الاجتماعية داخل البلاد.
ماكرون في الخلفية: رسائل غير مباشرة؟
تأتي تصريحات ماندون بعد أشهر من مواقف حادة أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي لم يستبعد في وقت سابق “إرسال قوات فرنسية إلى أوكرانيا إذا تطلّب الوضع ذلك”. ورغم أن الإليزيه تراجع لاحقاً عن حزم تلك التصريحات، فإنها بقيت مؤشراً على تغير المزاج الاستراتيجي لفرنسا.
ويعتقد بعض المحللين أن رئيس الأركان ربما يعكس توجهاً داخلياً في المؤسسة العسكرية يدفع نحو إعادة تأهيل الجيش الفرنسي لسيناريوهات صدام مباشر أو شبه مباشر مع روسيا، حتى وإن لم يكن ذلك خياراً سياسياً فورياً.
فرنسا تستعد لسيناريوهات صعبة
تزامنت تصريحات ماندون مع إصدار الحكومة الفرنسية دليلاً جديداً للسلامة العامة يتضمن لأول مرة احتمال نشر قوات فرنسية كبيرة في الخارج، إضافة إلى التحذير من هجمات إلكترونية وحملات زعزعة استقرار هجينة قد ترافق أي مواجهة عسكرية.
هذه الإشارات المتتابعة تعزز فرضية أن باريس تتجه إلى وضع المجتمع الفرنسي في صورة “السيناريو الأسوأ”، وهو ما يؤكده خبراء الدفاع الذين يعتبرون أن أوروبا دخلت “مرحلة إعادة التسلّح الأكبر منذ الحرب الباردة”.
هل تخشى فرنسا حرباً مع روسيا؟
لا يوجد في باريس إجماع على أن مواجهة مباشرة مع موسكو وشيكة، لكن هناك شبه اتفاق على أن روسيا أصبحت أكثر عدوانية وأكثر استعداداً لمواجهة الغرب. ويشير العديد من المحللين إلى أن ما يجري هو إعادة تشكيل لعقيدة الدفاع الفرنسية، وليس إعلاناً عن حرب.
تصريحات ماندون يمكن قراءتها ضمن ثلاث رسائل أساسية:
للسياسيين: ضرورة زيادة الاستثمار في الصناعات الدفاعية والجاهزية القتالية.
للرأي العام: تمهيد نفسي لأي أعباء مستقبلية قد تفرضها التوترات الأوروبية الروسية.
لموسكو: أن فرنسا ترى نفسها طرفاً أساسياً في ميزان الردع الأوروبي.
بين التحذير والتهيئة لواقع جديد
أحدثت تصريحات رئيس الأركان هزة سياسية لأنها كسرت الخط الأحمر الذي تجنبته فرنسا لسنوات: الحديث الواضح عن احتمال فقدان جنود فرنسيين في حرب مفتوحة.
ورغم نفي السياسيين والبرلمانيين لأي نوايا هجومية، فإن المؤشرات المتراكمة – من زيادة الإنفاق الدفاعي إلى تعديل عقيدة الأمن القومي – توحي بأن فرنسا تستعد بالفعل لتحديات استراتيجية أكثر خطورة مما قد يظهر على السطح.






