يرى عماد الدين بادي، في تقريره المنشور عبر Global Initiative، أن الحرب السودانية لم تُعد تشكيل مشاهد العنف فحسب، بل أعادت هندسة اقتصادات الأمن وشبكات الإمداد في دول الجوار، مُنتجة ما يسميه «دوائر جانبية» تعمل ذاتيًا، يتغذّى فيها السلاح بالمقاتلين وتتحول الحدود إلى أسواق حقيقية للخدمات اللوجستية المرتبطة بالحرب.
ويشير بادي إلى أن دخول الأسلحة المصادَرة من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية إلى التداول، بالإضافة إلى شحنات جديدة تدفقت من الخارج، أدى إلى دمج عناصر متنوعة تشمل القوى العاملة، حماية القوافل، الوقود، الاتصالات، وتوزيع السلاح. ويعتبر أن هذه الدوائر أعادت صياغة اقتصاديات الصراع في ليبيا وتشاد، بحيث تحوّلت الحدود المشتركة إلى عقد مركزية للنقل والتخزين والتمويل.
المرتزقة كمحور شبكات الإمداد
ويحلل التقرير أن انزلاق السودان إلى حرب أهلية لم يحوّل المرتزقة إلى أطراف مساندة فحسب، بل إلى وسطاء رئيسيين في حركة السلاح. ويضيف بادي أن قادة المرتزقة أصبحوا مسؤولين عن تنسيق القوافل والتفاوض على ممراتها وتأمين وصول الشحنات، ما ساعد على بناء شبكات لوجستية ذات مسارين مترابطين: مسار للمرتزقة وآخر للأسلحة، يدعم كلٌّ منهما الآخر ويمنحه زخمًا.
ويُبرز أن هذه الشبكات ليست جديدة بالكامل، إذ أعادت الحرب السودانية إحياء شبكات ما قبل 2011 في ليبيا، وما قبل 2021 في تشاد، ليجري إعادة توظيفها بما يخدم الطلب المستحدث للصراع.
ليبيا وتشاد: إعادة تدوير الشبكات القديمة
ويشير بادي إلى أن وحدات من القوات المسلحة العربية الليبية في سبها والكفرة ومرزق والقطرون أعادت تشكيل دورها عبر حماية البنية التحتية وتأمين الصحاري الوعرة وإدارة الممرات الحدودية. وفي المقابل، لعب فلول المتمردين التشاديين والمقاتلون السابقون دور «السماسرة» الذين يربطون مناجم الذهب بالأسلحة، ضمن ترتيبات تعتمد على القرابة والولاءات أكثر من اعتمادها على اقتصاد السوق.
تحولات الإمداد… وصعود “أم جرس”
ويؤكد التقرير أن طرق الإمداد تغيّرت مع اشتداد القتال. فبعد فقدان قاعدة شيفروليه في الكفرة، اضطرت قوات الدعم السريع إلى سلوك مسارات صحراوية أقل قدرة على استيعاب الشحنات. ومنذ منتصف 2023، برزت أم جرس في شمال تشاد كمركز لوجستي وسياسي فعلي، حيث تحولت طائرات الشحن –المتخفية تحت غطاء المساعدات الإنسانية– والقوافل المنظمة والتنسيق مع السلطات المحلية إلى شريان رئيسي لإمداد قوات الدعم السريع في دارفور.
ويضيف بادي أن هذا التحول شجّع على «تعاقدات جديدة» بين فصائل المتمردين التشاديين وقوات الدعم السريع، ما ربط شرق تشاد مباشرةً بجبهات دارفور.
2024: انتقال مركز الثقل نحو ليبيا
وبحسب التقرير، فإن ضغط الفصائل الموالية للجيش السوداني على الطرق الشرقية دفع العمليات نحو ليبيا. ويشير بادي إلى أن إعادة تأهيل قاعدة معطن السارة الجوية، المهجورة سابقًا عند المثلث الحدودي، حولتها إلى محطة مركزية لممر جديد يربط تشاد بجنوب شرق ليبيا.
ومن هناك، يُجمع السلاح ويخزّن قبل أن يُدفع مباشرةً إلى دارفور، في محاولة لتجاوز عمليات المنع والحفاظ على تدفق مستمر للعتاد نحو قوات الدعم السريع.
انتشار السلاح خارج السودان
ويتتبع التقرير انتقال الأسلحة إلى الخارج عبر شبكات وساطة معقدة، تشمل إعادة البيع، وتغيير الوجهة، وتغذية النزاعات في مناطق أخرى. ويعتبر بادي أن هذه التدفقات خلقت «اقتصادًا مسلحًا» إقليميًا، حيث تتكامل أسواق العمالة المسلحة وتجارة السلاح، ما يعزز دائرة عدم الاستقرار في كامل الشريط الحدودي الممتد من جنوب ليبيا إلى شمال تشاد وغرب السودان.







