عتبرت الكاتبة إليف إرجينيافوز أن طبيعة الحروب الحديثة أعادت تعريف مفهوم البنية التحتية المدنية، موضحة أن منشآت الطاقة لم تعد تُعامل بوصفها مرافق مدنية محايدة، بل تحولت تدريجياً إلى أهداف استراتيجية ذات أبعاد عسكرية وسياسية. وترى أن ما يجري حول محطة زابوروجيا النووية في أوكرانيا، والهجمات المتكررة على مسارات الطاقة في البحر الأحمر، إضافة إلى الاستهداف الواسع للبنية التحتية في الشرق الأوسط، يوضح كيف بات الخط الفاصل بين المدني والاستراتيجي باهتاً في الصراعات المعاصرة.
وترى الكاتبة أن هذا التحول لا يحمل طابعاً نظرياً بالنسبة لتركيا، بل ينعكس مباشرة على أمنها القومي، نظراً إلى موقعها الجغرافي عند تقاطع أزمات إقليمية وممرات طاقة حيوية. وتضيف أن محطات توليد الكهرباء، وخطوط الأنابيب، والموانئ، وحتى مراكز البيانات، باتت تُستخدم كأدوات للضغط السياسي وإدارة التصعيد، لا كمجرد بنى خدمية.
وفي هذا السياق، تعتبر إرجينيافوز أن دخول محطة أكويو النووية ضمن خريطة البنية التحتية التركية يضع أنقرة أمام واقع استراتيجي جديد. وتوضح أن المنشآت النووية تختلف جوهرياً عن غيرها من مرافق الطاقة، إذ إن أي تعطيل لها، سواء عبر هجوم عسكري أو تخريب أو اختراق إلكتروني، لا يقتصر أثره على إنتاج الكهرباء، بل يمتد ليشمل القلق العام، والاستقرار السياسي، وقدرة الدولة على الحكم وإدارة الأزمات.
وتضيف الكاتبة أن حتى الحوادث المحدودة قد تُحمّل تركيا كلفة سياسية واستراتيجية مرتفعة، داخلياً وخارجياً، ما يجعل تقييم مشروع أكويو خارج إطار الحسابات التقليدية للتكلفة والعائد. وتتابع أن المشروع لم يعد ملف طاقة فحسب، بل بات مسؤولية أمنية تشمل الجاهزية العسكرية، والتنسيق المؤسسي، وإدارة الاتصال الاستراتيجي.
وترى إرجينيافوز أن التعامل مع أكويو يجب أن يتم من منظور أمني يأخذ في الاعتبار أسوأ السيناريوهات، وسلوك الخصوم تحت الضغط، واحتمالات التصعيد غير المقصود، خاصة في ظل قرب تركيا من بؤر صراع نشطة أو محتملة.
كيف غيّرت الحروب الحديثة معادلة المخاطر
وتشير الكاتبة إلى أن افتراض بقاء البنية التحتية الحيوية بمنأى عن الصراعات لم يعد قابلاً للتطبيق. وتوضح أن تطور الذخائر الدقيقة، والضربات بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والذخائر المتسكعة، جعل استهداف الأصول الثابتة أكثر سهولة وأقل كلفة.
وتضيف أن الحروب الهجينة، بما تشمل من تخريب وعمليات إلكترونية وتضليل ونشاط بالوكالة، خفّضت العتبة السياسية لاستخدام القوة، ما يجعل تعطيل البنية التحتية خياراً مغرياً دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وترى إرجينيافوز أن الحرب في أوكرانيا تقدم درساً بالغ الأهمية لتركيا، إذ أظهرت أن منشأة نووية قد تصبح جزءاً من المشهد العسكري حتى من دون استهداف مباشر، وأن مجرد وجودها داخل بيئة قتال متوترة يكفي لتقويض افتراضات العزل والاستقرار.
وتتابع أن هشاشة أكويو لا تنبع فقط من التهديدات المباشرة، بل من السياق الأمني الإقليمي الأوسع، ما يعني أن الحماية لم تعد مسألة قانونية أو فنية فقط، بل ترتبط بالردع والقدرة على الصمود.
حدود الحماية القانونية
وتوضح الكاتبة أن القانون الدولي الإنساني يمنح محطات الطاقة النووية حماية خاصة بوصفها منشآت مدنية، إلا أن هذه الحماية، برأيها، لم تعد كافية وحدها. وترى أن الحصانة القانونية تصبح هشة عندما تقع المنشآت داخل بيئات أمنية مضطربة، أو عندما تُفسَّر «الضرورة العسكرية» بشكل انتقائي.
وتضيف أن التجارب الحديثة تُظهر أن القانون الدولي يؤثر في كلفة ما بعد الصراع، لكنه لا يشكل درعاً رادعاً بحد ذاته. وبالنسبة لتركيا، لا يمكن الافتراض بأن الوضع القانوني وحده سيمنع التهديدات التي قد تواجه أكويو.
الأمن مقابل السلامة
وتفرّق إرجينيافوز بين مفهومي السلامة والأمن، معتبرة أن السلامة تركز على المعايير الهندسية ومنع الحوادث، بينما يتعامل الأمن مع التهديدات المتعمدة، سواء كانت عسكرية أو إلكترونية أو هجينة. وتحذر من أن الفصل بين المجالين قد يخلق ثغرات خطيرة في لحظات الأزمات.
وترى أن حماية أكويو يجب أن تكون جزءاً من منظومة دفاع متكاملة، تشمل الدفاع الجوي والصاروخي، ومكافحة الطائرات المسيّرة، وأنظمة الإنذار المبكر، وهياكل قيادة قادرة على العمل تحت الضغط.
وفي هذا الإطار، تشير الكاتبة إلى أن دخول شركات من قطاع الصناعات الدفاعية إلى المجال النووي يعكس تحولاً بنيوياً في التفكير الأمني التركي، لكنه في الوقت نفسه يفرض ضرورة وضوح الأدوار والحوكمة لتفادي رسائل ملتبسة للخارج.
أكويو والناتو
وترى إرجينيافوز أن أكويو تعيد أيضاً تشكيل العمق الاستراتيجي لتركيا في شرق المتوسط، حيث يتداخل أمن الطاقة مع التوازنات العسكرية. وتعتبر أن المنشأة ستدخل حتماً في حسابات الاستقرار والتصعيد، ليس فقط بالنسبة لأنقرة، بل أيضاً لحلفائها في حلف شمال الأطلسي.
وتضيف أن حماية البنية التحتية الحيوية باتت ركيزة أساسية في مفهوم الردع داخل الناتو، وأن أكويو تمثل جزءاً من منظومة المرونة الجماعية، لا مجرد مشروع وطني.
وتخلص الكاتبة إلى أن أكويو ليست نقطة ضعف مفروضة على تركيا، بل متغير استراتيجي يعيد تشكيل بيئة الردع، شرط أن يتم استيعاب مخاطرها ودمجها ضمن خطط الدفاع والصمود.
وفي الختام، ترى إرجينيافوز أن السؤال لم يعد ما إذا كانت أكويو ضرورية، بل ماذا تعنيه لموقع تركيا الاستراتيجي في عصر أصبحت فيه البنية التحتية نفسها ساحة من ساحات الحرب.






