قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنّه يجري محادثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية نشر قوات أمريكية في أوكرانيا بوصفها «ضمانة أمنية». ورغم أن زيلينسكي شدّد على أن القرار يبقى «حصراً بيد القيادة الأمريكية»، وأن هذه القوات — إن وُجدت — ستظل تحت سلطة واشنطن، فإن هذا التصريح يعكس، في جوهره، محاولة أوكرانية لإعادة فتح ملف الضمانات العسكرية الغربية بعد تراجع زخم الدعم واهتزاز الثقة بمسار الحرب.
لكن قراءة هذا الطرح لا يمكن أن تتم بمعزل عن موقف الولايات المتحدة نفسها. فواشنطن، وفق مؤشرات عديدة، تبدو بعيدة جداً عن الاستعداد لخوض مغامرة عسكرية مباشرة مع روسيا من أجل أوكرانيا، خصوصاً إذا كانت الخطوة تعني إدخال جنود أمريكيين إلى ساحة صراع مفتوحة مع قوة نووية.
واشنطن تحسب الكلفة… وتغلب منطق الردع على منطق الاشتباك
تُظهر التصريحات الأمريكية في الشهور الماضية أن البيت الأبيض — بغضّ النظر عن هوية ساكنه — يتبنّى مقاربة حذرة: دعم عسكري وتسليحي واسع، تدريب، مساعدات استخباراتية، لكن من دون عبور الخط الأحمر الذي يعني مواجهة مباشرة مع موسكو. فوجود قوات أمريكية على الأرض، ولو تحت عنوان «ضمانات أمنية»، قد يُنظر إليه روسياً كتصعيد استراتيجي، وربما كإعلان شراكة قتالية مباشرة في الحرب.
وتدرك واشنطن أن أي انزلاق إلى صدام مباشر لا يهدد التوازن في أوكرانيا وحدها، بل يفتح الباب على سلسلة مخاطر غير قابلة للسيطرة: تصعيد نووي، توتر أوروبي واسع، وانقسام داخلي أمريكي أكبر حول جدوى الحرب وتكاليفها.
لهذا، تميل الإدارة الأمريكية إلى سياسة إدارة الصراع لا حسمه عسكرياً، أي الإبقاء على أوكرانيا قادرة على الدفاع والصمود، من دون الذهاب إلى خطوة قد تغيّر طبيعة الحرب بالكامل.
رسالة غير معلنة لكييف: الدعم مستمر… لكن ليس بلا سقف
من هذه الزاوية، يبدو طلب زيلينسكي أقرب إلى محاولة سياسية للضغط المعنوي على واشنطن وإعادة تسليط الضوء على حاجة بلاده لضمانات ملموسة، في وقت تراجع فيه وهج التضامن الغربي وتنامت الأصوات الداعية للحوار أو لتقليص الدعم العسكري.
لكن الرد الأمريكي — وإن لم يُعلن بصيغة قاطعة — يوحي بأن واشنطن لا تريد ربط مصيرها العسكري بمغامرة مفتوحة في أوكرانيا، وأن استعدادها لتحمل المخاطر من أجل كييف له حدود محسوبة بدقة. هذا الموقف قد يفسّره البعض في أوكرانيا على أنه تراجع في التزام الحلفاء، فيما يراه آخرون تعبيراً عن واقعية استراتيجية تتجنب الانجرار إلى حرب أوسع.
هل يعكس الموقف الأمريكي فشلاً سياسياً في معالجة الحرب؟
الحذر الأمريكي لا ينفصل عن شعور متزايد بأن المقاربة الغربية للحرب وصلت إلى سقفها: لا انتصار حاسماً لكييف، ولا قدرة على كسر الإرادة الروسية، ولا مسار تفاوضي جدي. وهنا يبرز تساؤل مشروع:
هل هو حذر محسوب… أم اعتراف غير مباشر بفشل الرهان السياسي الأولي على إضعاف موسكو وإجبارها على التراجع؟
فالولايات المتحدة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، تجد نفسها أمام تكاليف مالية وعسكرية مرتفعة، وضغط داخلي، وتعب سياسي أوروبي، من دون أفق واضح للنهاية. وفي هذا السياق، يبدو من الطبيعي أن تتجنب خطوة بحجم نشر قواتها في الميدان.







