رغم الأرقام الصادمة والشهادات الطبية التي توثق موتًا بطيئًا تحت الحصار، لا تزال المجاعة في قطاع غزة حبيسة التعريفات التقنية والتقديرات الحذرة. الأمم المتحدة تقرّ بأن الوضع الإنساني “خطير”، وتتحدث عن عشرات الآلاف من حالات سوء التغذية الحاد.
بينما يصف أطباء وعمال إغاثة ما يجري على الأرض بأنه مجاعة مكتملة الأركان تُنهك الأطفال قبل أن تُعلنها التقارير. وبين واقع ينهار يومًا بعد يوم ومعايير دولية عاجزة عن اللحاق به، تتحول المجاعة في غزة من مأساة إنسانية إلى معركة أرقام ومصطلحات، يدفع ثمنها المدنيون بصمت، في انتظار اعتراف قد يأتي بعد فوات الأوان.
أرقام صادمة من قلب غزة
وأعلنت الأمم المتحدة أن الوضع الإنساني في قطاع غزة “لا يزال خطيرا” في ظل الظروف الجوية القاسية، مشيرة إلى أن عدد حالات سوء التغذية الحاد ارتفع إلى نحو 95 ألف حالة. جاء ذلك على لسان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، خلال مؤتمر صحفي مساء الاثنين.
ولفت دوجاريك إلى أن موظفي مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) حذروا من أن الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يزال خطيرا، وأشاروا إلى أن الظروف الجوية القاسية تعرض التقدم المحرز في تلبية الاحتياجات الكبيرة المتعلقة بالمأوى للخطر.
وأضاف: “لا يزال 1.1 مليون شخص بحاجة ماسة إلى المساعدة، في ظل استمرار الأمطار الغزيرة بإلحاق أضرار بمعظم الملاجئ القائمة وتدميرها”.وفيما يتعلق بسوء التغذية، أفاد دوجاريك بأن شركاء الأمم المتحدة في المجال الإنساني أجروا خلال الشهر الماضي فحوصات لأكثر من 76 ألف طفل، تم خلالها رصد نحو 4 آلاف و900 حالة من سوء التغذية الحاد.. هذا يرفع إجمالي عدد حالات سوء التغذية الحاد التي تم رصدها في عام 2025 إلى نحو 95 ألف حالة”.
تجربة واقعية تكشف عمق المأساة الإنسانية
وفي تجربة من أرض الواقع، أمضى جريجوري شاي، وهو طبيب أطفال متقاعد من كاليفورنيا، شهر تشرين الأول في علاج الصغار في غزة. وبالنسبة له بدا الأمر وكأن المجاعة تنهش القطاع الفلسطيني. إذ كان “شاي” يعالج المرضى في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة. وروى أن أغلب الأطفال الذين عالجهم كانوا يقتاتون على الخبز والأرز.
“شاي” متطوع في منظمة ميد جلوبال غير الربحية ومقرها الولايات المتحدة. وقال إن الأطفال في غياب الخضراوات والفواكه واللحوم يفتقرون إلى الفيتامينات والمعادن اللازمة للوقاية من الأمراض. وذكر أنه في معظم الأيام عالج في المتوسط 40 مريضا جديدا في المستشفى، العديد منهم كانوا مصابين بحالات شديدة من الالتهاب الرئوي فيما عانى عدد آخر من التهاب السحايا، وهو مرض يمكن أن يؤدي إلى الوفاة في غضون ساعات. حسب رويترز.
وقال إن الأطفال حديثي الولادة في كثير من الأحيان كان حجمهم صغيرا بالنسبة لأعمارهم. وعاني بعضهم من عيوب خلقية أو تعفن الدم، وهو عدوى في الدم تعد سببا رئيسا لوفاة الرضع. “شاي” الذي شارك في 35 رحلة لتقديم المساعدة الطبية خلال العقد الماضي قال “لم يسبق لي أن رأيت مثل هذه الأنواع والأعداد من المصابين بالعدوى كالتي رأيتها في غزة، فقط انظر إلى هؤلاء الأطفال وستدرك أن هناك مجاعة”.
يقول كثير من خبراء الأمن الغذائي وعمال الإغاثة والأطباء، إن المجاعة بدأت في غزة منذ أشهر عدة. لكن مع استمرار القصف الإسرائيلي والقيود المفروضة على الحركة، واجه المحللون في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المرصد الرئيسي لمراقبة الجوع في العالم، صعوبة بالغة في الوصول إلى البيانات المهمة بشأن مستويات سوء التغذية الحاد والوفيات غير المرتبطة بالقتال.
انهيار الهياكل الاجتماعية
بدوره، قال دالمار أيناشي، محلل الأمن الغذائي في منظمة كير للإغاثة “إذا لم نتمكن من الوصول إلى معلومات بالغة الأهمية، فإن تأكيد حدوث المجاعة يصبح مستحيلا وكذلك إنقاذ الأرواح”.. لمدة 10 سنوات، كان أيناشي عضوا في المجموعة الاستشارية الفنية التابعة للتصنيف المرحلي والتي تقدم المشورة المتخصصة لقيادته.
وقال خوسيه لوبيز مدير البرنامج العالمي في التصنيف المرحلي إن المنظمة تعتمد على أنواع مختلفة من الأدلة “لضمان أن تكون نتائج التحليل قوية وبالتالي موثوقة”. موضحًا أن الحكومات وغيرها من الجهات القادرة على المساعدة في معالجة مشكلة الجوع لا بد وأن تتحرك “قبل تأكيد أو حتى توقع حدوث مجاعة.. مجرد تغيير المصطلحات لن يعالج هذه القضية في الأغلب”.
وفي السياق ذاته، أشار مايكل فخري المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء إلى أنه أصبح من الواضح أن المجاعة أطبقت على غزة بعد ذلك بأشهر عندما بدأ المزيد من الأطفال يلفظون أنفاسهم لأسباب تتعلق بسوء التغذية.
“العائلات والناس يطعمون أطفالهم قبل أن يطعموا أنفسهم لذا عندما يموت طفل فهذا يعني أن الهياكل الاجتماعية تنهار وأنه يتم الفتك بشعب بأكمله”. وبالإضافة إلى مقاييس أخرى، يقول التصنيف المرحلي حاليا إن المجاعة تحدث عندما يموت اثنان من كل 10 آلاف شخص أو أربعة من كل 10 آلاف طفل دون الخامسة يوميا “بسبب الجوع أو مزيج بين سوء التغذية والمرض”. حسب رويترز.







