عاد دونالد ترامب إلى لغة التهديد المباشر في تعاطيه مع كوبا، داعيًا هافانا إلى “عقد صفقة” قبل فوات الأوان، ومحذرًا من وقف كامل لتدفق النفط والأموال القادمة من فنزويلا. ورغم أن التصريحات جاءت بصيغة اقتصادية، إلا أن أبعادها السياسية والأمنية تتجاوز بكثير مسألة الطاقة أو الدعم المالي.
إعلان ترامب، الذي نشره عبر منصة “تروث سوشيال”، حمل نبرة قاطعة وغير قابلة للتأويل: “لا نفط، لا مال… صفر”. هذه اللغة تعكس محاولة لإعادة فرض سياسة الضغط الأقصى، ليس فقط على كوبا، بل على ما تبقى من محور كراكاس–هافانا، بعد التطورات الدراماتيكية في فنزويلا.
وجاء هذا التصعيد بعد أسبوع واحد فقط من العملية الأمريكية الليلية في كاراكاس، التي أسفرت عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومقتل العشرات من عناصر الأمن الفنزويليين والكوبيين. وهي عملية شكّلت نقطة تحول حادة في موازين القوة الإقليمية، وأرسلت رسالة واضحة مفادها أن واشنطن انتقلت من سياسة الاحتواء إلى الفعل المباشر.
في هذا السياق، يبدو أن تهديد كوبا بقطع شريان النفط الفنزويلي ليس مجرد عقوبة اقتصادية، بل محاولة لخنق الدور الأمني الذي لعبته هافانا لعقود داخل فنزويلا. ترامب نفسه لم يخفِ هذا البعد حين قال إن كوبا “قدّمت خدمات أمنية لآخر ديكتاتورين فنزويليين”، في إشارة إلى مادورو وسلفه هوغو تشافيز، معتبرًا أن هذا الدور انتهى فعليًا.
اللافت في خطاب ترامب ليس فقط حدّته، بل استدعاؤه المتكرر للرمزية السياسية. إعادة نشره رسالة تقول إن “ماركو روبيو سيصبح رئيسًا لكوبا”، حتى وإن جاءت بصيغة ساخرة، تعكس استخفافًا متعمدًا بالسيادة الكوبية، ورسالة موجهة للداخل الأمريكي وللمنفيين الكوبيين على حد سواء. فترامب يدرك جيدًا أن ملف كوبا لا يزال ورقة انتخابية حساسة، خصوصًا في ولايات مثل فلوريدا.
في المقابل، جاء الرد الكوبي حادًا ومشحونًا بالذاكرة التاريخية. الرئيس ميغيل دياز كانيل شدد على أن “لا أحد يملي على كوبا ما يجب فعله”، مذكرًا بأن بلاده تتعرض لما وصفه بالعدوان الأمريكي منذ 66 عامًا. أما وزير الخارجية برونو رودريغيز، فذهب أبعد من ذلك، واصفًا الولايات المتحدة بأنها “قوة مهيمنة ومجرمة” تهدد الأمن العالمي، لا الإقليمي فحسب.
هذا التراشق الكلامي يعكس حقيقة أعمق: كوبا، رغم أزمتها الاقتصادية الخانقة، ترى في التصعيد الأمريكي محاولة لكسر إرادتها السياسية في لحظة إقليمية حرجة، بينما ترى واشنطن أن الفرصة سانحة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في الكاريبي وأمريكا اللاتينية بعد سقوط مادورو.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يمتلك ترامب فعلًا أوراق الضغط الكافية لفرض “صفقة” على كوبا؟ فوقف النفط الفنزويلي، إن تحقق، سيعمّق الأزمة الإنسانية في الجزيرة، لكنه قد يدفع هافانا أيضًا إلى مزيد من التشدد بدل الانصياع، خصوصًا في ظل خطاب سيادي قائم على فكرة الصمود والمواجهة.
في المحصلة، لا يبدو أن تهديدات ترامب موجّهة لكوبا وحدها، بل هي رسالة أوسع لكل الأنظمة التي ما زالت تراهن على معادلة التحالفات القديمة في نصف الكرة الغربي. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بقدرة واشنطن على تحويل الضغط إلى نتائج سياسية، لا إلى مزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار في منطقة اعتادت العيش على حافة الأزمات.






