في خطوة تحمل أبعادًا سياسية ومالية معقدة، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للتبرع بمليار دولار من أصولها المجمّدة في الولايات المتحدة لصالح «مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. المبادرة، التي وُلدت أصلًا لمعالجة أزمة غزة، يجري توسيعها اليوم لتشمل نزاعات عالمية أخرى، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا، ما يمنح العرض الروسي دلالة تتجاوز البعد الإنساني إلى رهانات جيوسياسية دقيقة.
العرض الروسي لا يقتصر على المليار المعلن، إذ أشار بوتين إلى إمكانية تقديم مساهمة إضافية غير محددة لدعم جهود إعادة إعمار أوكرانيا، في ما يبدو محاولة لإعادة التموضع الدبلوماسي لموسكو داخل نظام دولي يسعى إلى صياغة مسارات جديدة لتسوية النزاعات.
مجلس السلام: من غزة إلى أوكرانيا
كان دونالد ترامب قد طرح فكرة «مجلس السلام» في سبتمبر/أيلول الماضي، مستهدفًا في البداية إيجاد إطار دولي غير تقليدي لمعالجة الحرب في غزة. غير أن المبادرة سرعان ما اكتسبت طابعًا أوسع، مع توجه البيت الأبيض إلى تحويلها إلى منصة دائمة لإدارة الأزمات العالمية.
وينص النظام الأساسي للمجلس على إلزام الأعضاء الدائمين بتقديم مساهمة مالية لا تقل عن مليار دولار لكل دولة، وهو ما يجعل العرض الروسي منسجمًا شكليًا مع قواعد المبادرة، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لموسكو من الانضمام إلى هذا الإطار الذي تقوده واشنطن.
بوتين، من جهته، يدرس رسميًا دعوة ترامب للانضمام إلى المجلس، وهي دعوة شملت عددًا من قادة العالم، من بينهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ما يضع موسكو وكييف نظريًا على طاولة واحدة، ولو ضمن إطار رمزي.
فلسطين كجسر سياسي في الخطاب الروسي
أعلن بوتين استعداده للتبرع خلال محادثاته مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في سياق حرصه على إبراز العلاقات الوثيقة بين موسكو والفلسطينيين. هذا التوقيت لم يكن عفويًا، إذ يعكس محاولة روسية لربط المبادرة الأمريكية بملف تحظى فيه موسكو بهامش قبول سياسي في العالم العربي، ما يمنح عرضها بُعدًا أخلاقيًا ودبلوماسيًا أوسع.
بهذا المعنى، لا يظهر العرض الروسي كاستجابة مباشرة للضغوط الغربية، بل كمبادرة تُقدَّم من موقع “الشريك في السلام”، لا من موقع الطرف المعاقَب.
الأصول المجمّدة: قلب المعركة القانونية والسياسية
تأتي هذه التطورات على خلفية ملف شائك يتعلق بالأصول الروسية المجمّدة في الغرب. فبحسب البنك المركزي الروسي، تبلغ احتياطياته نحو 613 مليار دولار، يشكل الدولار الأمريكي ما يقارب 11% منها، أي حوالي 67 مليار دولار مودعة لدى جهات أمريكية. وتشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 300 مليار دولار من الأموال السيادية الروسية مجمّدة لدى الدول الغربية، تتركز غالبيتها في أوروبا.
وتذهب تقديرات فرقة عمل «إعادة الشراء» (REPO Task Force) إلى أن قيمة الأصول المجمّدة تبلغ 280 مليار دولار، في حين أظهر تقرير منفصل أن نحو 5 مليارات دولار فقط من هذه الأصول موجودة داخل الولايات المتحدة. هذا التفاوت في الأرقام يعكس الغموض القانوني المحيط بالملف، ويُفسر جزئيًا مرونة موسكو في طرح فكرة استخدام جزء من هذه الأموال في مبادرات دولية.
موسكو والطعن في “شرعية التجميد”
يصف الكرملين تجميد الأصول الروسية بأنه إجراء غير قانوني، ويؤكد أن رفعه يتطلب قرارًا مباشرًا من السلطات الأمريكية. وقد شدد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، على ضرورة فتح نقاشات قانونية حول الإطار الذي يحكم هذه القضية، في إشارة إلى استعداد موسكو لخوض معركة قضائية طويلة.
وفي هذا السياق، رفع البنك المركزي الروسي دعوى ضد شركة «يوروكلير» مطالبًا بتعويضات تصل إلى 230 مليار دولار، احتجاجًا على التجميد المفتوح الأجل. هذه الخطوة تعكس تصميم موسكو على تحويل الملف من أداة ضغط سياسية إلى نزاع قانوني دولي.
إعادة إعمار أوكرانيا: تسوية أم إعادة تدوير للأزمة؟
ضمن المقترحات المتداولة في الكواليس الغربية، طُرحت أفكار لاستخدام الأصول الروسية المجمّدة في إعادة إعمار أوكرانيا، بما في ذلك تخصيص ثلث هذه الأموال لجهود تقودها الولايات المتحدة، وتوجيه الباقي إلى صندوق استثماري أمريكي–روسي مشترك. ورغم أن هذه الطروحات لا تزال نظرية، فإنها تكشف عن محاولة لإيجاد تسوية مالية تُبقي الصراع تحت السيطرة دون حسمه سياسيًا.
في هذا الإطار، يبدو عرض بوتين بالتبرع لمجلس السلام محاولة استباقية لإعادة الإمساك بخيوط اللعبة، وتحويل جزء من الأصول المجمّدة من عبء سياسي إلى ورقة تفاوض.
بين السلام والمصالح
في المحصلة، لا يمكن قراءة المبادرة الروسية بمعزل عن حسابات المصالح المتشابكة بين موسكو وواشنطن. فبينما يروّج ترامب لمجلس السلام بوصفه إطارًا عالميًا جديدًا لإدارة النزاعات، يسعى بوتين إلى استخدام المبادرة كمنصة لكسر العزلة، والطعن في شرعية العقوبات، وإعادة إدخال روسيا إلى طاولة القرار الدولي من بوابة “السلام”.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يشكّل المليار الروسي بداية مسار تهدئة حقيقي، أم مجرد إعادة تدوير للأزمة بأدوات مالية جديدة؟







