على وقع الجمود الميداني النسبي على بعض محاور القتال، تكشف روسيا عن تحوّل لافت في أدواتها العسكرية، عبر تحديث ترسانتها من الأسلحة الحرارية باستخدام منصات غير مأهولة. فبدل الاعتماد على أنظمة ثقيلة وبطيئة الحركة، تشير تقارير أوكرانية إلى اختبار موسكو لطائرة مسيّرة أرضية تُعرف باسم «مالفينا-إم»، قادرة على حمل ذخائر حرارية واستهداف التحصينات بدقة عالية.
هذه الخطوة تعكس سعيًا روسيًا واضحًا لتجاوز نقاط الضعف التي كشفتها الحرب خلال عاميها الأخيرين، لا سيما قابلية الأنظمة الثقيلة للاستهداف، وارتفاع الكلفة البشرية في صفوف القوات البرية.
من الدبابات إلى المسيّرات: تغيير في فلسفة الاستخدام
لطالما ارتبطت الأسلحة الحرارية الروسية بأنظمة مثل قاذفات الصواريخ الثقيلة المثبتة على هياكل دبابات، وهي منصات فعالة من حيث القوة التدميرية، لكنها محدودة من حيث المرونة وسهولة الرصد. ومع تصاعد دور الطائرات المسيّرة الأوكرانية، أصبحت هذه الأنظمة أهدافًا مكلفة وسهلة نسبيًا.
إدخال «مالفينا-إم» إلى هذا المجال يغيّر المعادلة. فالمركبة الجديدة، التي تُدار عن بُعد، تمنح القوات الروسية قدرة على الاقتراب من الخطوط الأمامية دون تعريض الجنود للخطر المباشر، مع الاحتفاظ بتأثير ناري كبير على المواقع المحصنة.
استهداف التحصينات: ضغط مباشر على الدفاعات الأوكرانية
بحسب مصادر أوكرانية متخصصة، فإن الخطر الأساسي لهذا النظام لا يكمن في مداه أو حجمه، بل في طبيعة الأهداف التي صُمم لضربها. فالملاجئ المؤقتة، والخنادق، والتحصينات الخفيفة التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية لامتصاص القصف، قد تصبح أقل فاعلية أمام هذا النوع من الذخائر.
التحكم عن بعد يمنح «مالفينا-إم» قدرة على استهداف نقاط حساسة، مثل مداخل التحصينات، ما يفرض على المدافعين إعادة النظر في أساليب الاحتماء التقليدية التي أثبتت فعاليتها أمام المدفعية أو القصف الجوي.
السلاح الحراري: فعالية نفسية قبل أن تكون عسكرية
رغم أن الأسلحة الحرارية ليست جديدة في الترسانة الروسية، فإن إعادة توظيفها في هذه المرحلة يحمل دلالة تتجاوز الجانب التقني. فهذه الأسلحة تُستخدم عادة لتحقيق أثر مزدوج: إضعاف المواقع الدفاعية، ورفع الضغط النفسي على القوات المقابلة.
في سياق حرب استنزاف طويلة، يبدو أن موسكو تراهن على هذا التأثير المركّب، خصوصًا في ظل إرهاق الوحدات الأوكرانية بعد أشهر من القصف المتواصل ونقص الذخائر في بعض الجبهات.
الأتمتة وتقليل الخسائر: منطق الكرملين الجديد
التحول نحو المركبات غير المأهولة ينسجم مع توجه أوسع داخل المؤسسة العسكرية الروسية لتقليل الخسائر البشرية، وهو عامل بات ذا حساسية سياسية داخل روسيا نفسها. فبدل الدفع بوحدات بشرية إلى خطوط النار، تسمح الأتمتة بالحفاظ على الضغط العسكري مع كلفة داخلية أقل.
هذا النهج لا يعني بالضرورة تحقيق اختراقات ميدانية سريعة، لكنه يعزز قدرة موسكو على مواصلة القتال لفترات أطول، وهو ما يتماشى مع استراتيجيتها العامة في إطالة أمد النزاع وفرض معادلة إنهاك متبادل.
تقدير موقف: هل نحن أمام نقطة تحوّل؟
رغم الضجة التي تثيرها التقارير حول «مالفينا-إم»، فإن تأثير هذا النظام سيظل مرتبطًا بحجم نشره وقدرة أوكرانيا على التكيّف. فإذا بقي استخدامه محدودًا، فسيُدرج ضمن سلسلة أدوات الضغط التكتيكي. أما إذا جرى تعميمه على نطاق واسع، فقد يفرض تغييرات ملموسة على طبيعة الدفاعات الأوكرانية، ويدفع كييف إلى تطوير تحصينات أعمق أو البحث عن وسائل مضادة جديدة.
في المقابل، يظل هذا التطور مؤشرًا على أن الحرب تدخل مرحلة أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا الأرضية غير المأهولة، بعد أن هيمنت الطائرات المسيّرة الجوية على المشهد خلال العامين الماضيين.
سباق تكيّف لا ينتهي
في المحصلة، لا يشير تحديث السلاح الحراري الروسي إلى حسم قريب بقدر ما يعكس استمرار سباق التكيّف بين الطرفين. فكل أداة جديدة تُدخلها موسكو إلى ساحة المعركة، تقابلها محاولات أوكرانية لإبطال مفعولها، بدعم غربي متفاوت.
لكن الثابت أن ساحة القتال الأوكرانية باتت مختبرًا مفتوحًا لتكتيكات جديدة، حيث لا يُقاس التفوق فقط بالقوة النارية، بل بالقدرة على تقليل الخسائر، وكسر إرادة الخصم، وإدارة حرب طويلة بأدوات أقل كلفة وأكثر دقة.







