عاد اسم رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي بقوة إلى واجهة المشهد السياسي في بغداد، بعد إعلان تحالف التكتلات السياسية الشيعية، صاحب الأغلبية البرلمانية، اختياره مرشحًا لتولي رئاسة الحكومة من جديد، في خطوة فجرت موجة جدل داخلي حاد وأعادت فتح ملفات ثقيلة من الماضي.
وجاء هذا التطور الأخطر من خارج الحدود، وتحديدًا من واشنطن، حيث أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيرًا غير مسبوق، رافضًا عودة المالكي وملوّحًا بوقف الدعم الأميركي للعراق إذا مضى هذا الخيار إلى نهايته.
تحذير أميركي صريح
وفي أحدث تدخل مباشر له في سياسة دولة حليفة، وجه ترامب رسالة حادة إلى بغداد، معتبرًا أن إعادة المالكي إلى رئاسة الحكومة تمثل وصفة لإعادة إنتاج الفوضى وعدم الاستقرار.
وأضاف في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن العراق «انزلق في عهد المالكي إلى الفقر والفوضى العارمة»، وأن سياساته وأيديولوجياته كانت سببًا مباشرًا في الأزمات التي عصفت بالبلاد، ومؤكدًا أن الولايات المتحدة «لن تقدم أي مساعدة للعراق» في حال عودته إلى السلطة.
المالكي يرد: السيادة خط أحمر
أما عن رد المالكي فلم يتأخر، إذ رفض تهديدات ترامب واعتبرها «تدخلًا أميركيًا سافرًا» في الشؤون الداخلية للعراق، وانتهاكًا مباشرًا لسيادته الوطنية، مشددًا في منشور على منصة «إكس» على أن «لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد»، رافضًا منطق الإملاءات والضغوط، ومؤكدًا أن اختيار رئيس الحكومة شأن عراقي خالص.
ويرى مسؤولون عراقيوون أن موقف ترامب لا ينفصل عن سياق أوسع يتمثل في الصراع الأميركي–الإيراني على النفوذ داخل العراق، فالمالكي يُعد من أبرز الشخصيات السياسية القريبة من طهران، ويتمتع بعلاقات وثيقة مع فصائل مسلحة مدعومة من إيران، ما يجعل عودته، من وجهة نظر واشنطن، تهديدًا مباشرًا لمساعي تقليص النفوذ الإيراني في بغداد.
وفي الوقت نفسه، تسعى أميركا منذ سنوات إلى دفع العراق للحفاظ على توازن دقيق في علاقاته مع واشنطن وطهران، غير أن ترشيح المالكي يُنظر إليه أميركيًا باعتباره اختلالًا واضحًا في هذا التوازن لصالح إيران.
فترة سابقة صعبة
جدير بالذكر أن “المالكي” كان قد شغل منصب رئيس الوزراء لفترتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، وهي مرحلة اتسمت بتصاعد العنف الطائفي، وتفاقم الصراع السياسي مع السنة والأكراد، إلى جانب تدهور الخدمات العامة واستشراء الفساد.
كما شهدت تلك الفترة توترًا متزايدًا في العلاقات مع الولايات المتحدة، وانتهت بسقوط مساحات شاسعة من العراق في قبضة تنظيم داعش، وعلى رأسها مدينة الموصل.
وفي عام 2014، تعرض المالكي لضغوط داخلية وخارجية غير مسبوقة للتنحي، شملت الولايات المتحدة وإيران وقادة سنة ومرجعيات دينية شيعية، عقب الانهيار الأمني الكبير. وبعد عام واحد، طالبت لجنة برلمانية عراقية بمحاكمته وعدد من كبار المسؤولين على خلفية سقوط الموصل.
لاعب لا يغادر المشهد
ورغم ذلك، لم يغب المالكي عن الساحة السياسية، فالرجل، الذي تجاوز منتصف السبعينيات من عمره، ظل فاعلًا مؤثرًا من خلال قيادته ائتلاف «دولة القانون»، وحفاظه على شبكة علاقات قوية داخل المؤسسات الأمنية والقضائية، إضافة إلى الفصائل المسلحة.
تعميق الانقسامات الطائفية
وكان خصوم المالكي قد اتهموا سياساته بأنها عمقت الانقسامات الطائفية، وهو ما أشار إليه حتى مسؤولون أميركيون في مذكرات مسرّبة، عبروا فيها عن شكوكهم بقدرته على تجاوز الطائفية وإدارة الدولة بشكل جامع. كما اتهمه قادة سنة بالفشل في ضبط الميليشيات الشيعية والتركيز على تعزيز قبضته الأمنية في المحافظات السنية المضطربة.
لكن جاءت عودة اسم نوري المالكي إلى الواجهة السياسية في العراق في ظل مرحلة شديدة التعقيد، تشهد فيها البلاد انسدادًا سياسيًا وصراعًا محتدمًا بين القوى الشيعية على تشكيل الحكومة المقبلة.
ويُعد المالكي، بصفته زعيم ائتلاف دولة القانون، أحد أبرز اللاعبين داخل «الإطار التنسيقي»، الذي يمتلك ثقلًا برلمانيًا مؤثرًا، ما أعاد طرحه مرشحًا لرئاسة الحكومة رغم الجدل الواسع الذي يحيط بإرثه السياسي وتجربته السابقة في الحكم.
وخلال فترتي حكمه بين عامي 2006 و2014، واجه المالكي انتقادات حادة بسبب تصاعد الانقسامات الطائفية، وتدهور الوضع الأمني، وانهيار مؤسسات الدولة أمام تمدد تنظيم داعش، خاصة بعد سقوط مدينة الموصل.
العلاقات مع الولايات المتحدة
كما ارتبط اسمه بتوتر العلاقات مع الولايات المتحدة، واتهامات بإقصاء خصومه السياسيين، وضعف إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية، وهي ملفات لا تزال تلقي بظلالها على المشهد العراقي حتى اليوم.
وفي المقابل، يرى أنصار المالكي أنه استطاع الحفاظ على حضوره السياسي رغم الإخفاقات والضغوط، مستفيدًا من شبكة علاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة، إضافة إلى علاقته الوثيقة بإيران.







