فتحت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، بابًا كان حتى وقت قريب يُعد من المحرّمات في النظام المالي العالمي: ماذا لو فقد الدولار مكانته كملاذ آمن، وواجه العالم موجة بيع سريعة للأصول المقوّمة به؟
تصريحات جورجيفا، التي أدلت بها في فعالية نظمها مركز بروجيل للأبحاث في بروكسل، لم تأتِ على شكل تحذير مباشر، لكنها حملت دلالة سياسية واقتصادية ثقيلة، مفادها أن المؤسسات الدولية باتت تُحضّر نفسها لما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره «غير قابل للتصور».
التفكير في اللامتوقع
حين قالت جورجيفا إن صندوق النقد يعمل على بناء قدرته على إعداد «سيناريوهات افتراضية لأحداث لا يمكن تصورها»، كانت تُلمّح إلى تحوّل عميق في طريقة تفكير الحوكمة المالية العالمية. فالصندوق، الذي اعتاد إدارة الأزمات بعد وقوعها، بات يضع على طاولته سيناريوهات قصوى، من بينها احتمال سحب جماعي من الأصول الدولارية.
ورغم حرصها على التخفيف من وقع التصريحات بالتأكيد أن الصندوق يدرس «جميع أنواع السيناريوهات» في إطار تحليله المستمر، فإن مجرد طرح هذا الاحتمال علنًا يعكس مستوى القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلب النظام المالي الدولي.
ترامب والدولار… علاقة تهتز
تأتي هذه التصريحات في سياق سياسي شديد الحساسية. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، واجه الدولار ضغوطًا متزايدة، مدفوعة بحزمة من السياسات المثيرة للجدل، في مقدمتها التعريفات الجمركية الشاملة، والهجمات المتكررة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فضلًا عن الخطاب الذي شكك في سيادة القانون والمؤسسات.
هذه العوامل مجتمعة أثارت قلق المستثمرين حيال مستقبل الدولار، الذي شكّل العمود الفقري للنظام المالي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولم يتأخر السوق في التعبير عن هذا القلق، إذ تراجع الدولار بأكثر من 9% مقابل سلة من العملات الرئيسية، بينما انخفض بنحو 12% أمام اليورو، في حركة لافتة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
الذهب يعود إلى الواجهة
مع تآكل الثقة بالدولار كملاذ آمن، اتجه المستثمرون إلى الخيار الأقدم والأكثر تقليدية: الذهب. فقد قفز سعر الأونصة إلى مستوى قياسي بلغ 5100 دولار، في مؤشر واضح على أن الأسواق تبحث عن أدوات تحوّط خارج الإطار النقدي التقليدي.
هذا الاندفاع نحو الذهب لا يعكس فقط تقلبات آنية، بل يشير إلى تحوّل أعمق في المزاج الاستثماري العالمي، حيث باتت المخاطر السياسية في الولايات المتحدة تُحسب اليوم كعامل مؤثر في تسعير الأصول، بعد أن كانت تُعتبر عنصر استقرار نسبي لعقود طويلة.
تراجع تدريجي لا هيمنة مهددة فورًا
ورغم كل هذه المؤشرات، لا يبدو أن الدولار يواجه انهيارًا وشيكًا. فبحسب جورجيفا، تراجعت حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية من 72% عام 2001 إلى أقل من 57% اليوم، وهو انخفاض ملحوظ، لكنه يعكس مسارًا تدريجيًا لا قطيعة مفاجئة.
هذا التراجع يتقاطع مع اتجاه أوسع نحو تنويع الاحتياطيات والأنظمة المالية، خاصة في الدول غير الغربية. فقد سعت مجموعة «بريكس»، التي تضم الصين وروسيا، خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص الاعتماد على الدولار في أنظمة الدفع، في خطوة تهدف بالأساس إلى تقليص أثر العقوبات الغربية وتعزيز الاستقلال المالي.
أوروبا تبحث عن بديل آمن
في هذا المشهد المتغير، طرحت جورجيفا فكرة لطالما أثارت الجدل داخل الاتحاد الأوروبي: توسيع إصدار الديون المشتركة. فبرأيها، يمكن لأوروبا أن تخلق أصلًا آمنًا بديلًا يجذب المستثمرين، ويخفف الاعتماد على سندات الخزانة الأمريكية أو الذهب.
وترى جورجيفا أن هذا المسار لا يقتصر على تعزيز الاستقرار المالي، بل قد يساعد أيضًا في سد فجوة الاستثمار المتسعة داخل الاتحاد، ودعم نمو اقتصادي يعاني من تباطؤ مزمن. غير أنها أقرت في الوقت نفسه بأن الاقتراض المشترك يظل «نقاشًا صعبًا للغاية»، في ظل معارضة دول محورية مثل ألمانيا وهولندا لأي تحويل دائم للديون إلى مستوى أوروبي موحد.
لماذا يبقى الدولار مهيمنًا؟
على الرغم من كل التحذيرات والسيناريوهات، شددت جورجيفا على أن مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية لا يُرجح أن تتغير في المدى القريب. والسبب، كما تقول، لا يرتبط بالسياسة فقط، بل بعوامل هيكلية صلبة: عمق وسيولة أسواق رأس المال الأمريكية، وحجم الاقتصاد الأمريكي، والقدرة المستمرة على إصدار ديون تُعتبر الأكثر أمانًا عالميًا.
وطالما بقيت هذه العناصر قائمة، يبقى من الصعب تخيل تحوّل جذري وسريع في النظام النقدي العالمي، حتى لو استمرت الضغوط السياسية والاقتصادية.
تحذير لا نبوءة
حرص صندوق النقد الدولي، عبر متحدثه الرسمي، على التوضيح بأن تحليل هذه السيناريوهات لا يعني وجود توقع مؤسسي أو استعداد لنتيجة محددة. بل هو جزء من عمل روتيني لتقييم المخاطر النادرة ولكن ذات الأثر الكبير.
غير أن هذا التوضيح، بدل أن يبدد القلق، يؤكد حقيقة أساسية: النظام المالي العالمي يدخل مرحلة من عدم اليقين، حيث لم يعد استقرار الدولار أمرًا مفروغًا منه سياسيًا، حتى وإن ظل مهيمنًا اقتصاديًا. وبين سيناريوهات «غير قابلة للتصور» وواقع الأسواق المتقلبة، يبدو أن العالم المالي بات مضطرًا للتفكير في احتمالات كان يتجاهلها لعقود طويلة.







