أعادت وثائق قضائية أمريكية نُشرت نهاية يناير/كانون الثاني فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل العائلة المالكة البريطانية، بعدما كشفت تفاصيل جديدة عن طبيعة العلاقة التي استمرت بين الأمير أندرو وجيفري إبستين حتى بعد إدانة الأخير في قضايا جنسية.
الوثائق، التي نُشرت ضمن ملايين الصفحات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، لا تكتفي بإعادة سرد ما كان معروفًا عن هذه العلاقة، بل تضيف إليها مراسلات مباشرة تُظهر مستوى من القرب الشخصي يتجاوز ما أعلنه الأمير نفسه في السنوات الماضية.
أخطر ما في هذه المراسلات أنها تعود إلى عام 2010، أي بعد خروج إبستين من الإقامة الجبرية عقب إدانته باستدراج قاصر لممارسة الدعارة، وهو ما يجعل استمرار التواصل في تلك المرحلة تحديدًا محط تدقيق سياسي وإعلامي شديد.
“صديقة روسية” ورسائل شخصية بين الطرفين
تتضمن الوثائق رسالة بريد إلكتروني مؤرخة في 12 أغسطس/آب 2010، أبلغ فيها جيفري إبستين الأمير أندرو، الذي كان يحمل حينها لقب دوق يورك، بأن لديه “صديقة” قد ترغب في تناول العشاء معه خلال زيارتها إلى لندن.
ويُفهم من نص الرسالة أن المرأة روسية وتبلغ من العمر 26 عامًا، وقد وصفها إبستين بأنها “جميلة وذكية”. كما تظهر الرسائل أن الأمير أندرو سأل إبستين عمّا إذا كان قد أخبرها شيئًا عنه، وما إذا كان يُفترض أن تحمل له “رسالة” من جانبه.
في رسالة لاحقة، أبلغ أندرو إبستين بأنه سيكون في جنيف في 22 أغسطس، لكنه أبدى استعداده لرؤيتها خلال وجودها في لندن.
الوثائق لا تؤكد ما إذا كان اللقاء قد جرى بالفعل، غير أن مجرد صيغة المراسلات، وتبادل الترتيبات الخاصة، يعكس طبيعة غير رسمية للعلاقة بين الطرفين، في وقت كان فيه إبستين قد أصبح شخصية شديدة السمية على المستوى العام.
دعوة إلى قصر باكنغهام بعد إدانة إبستين
الجزء الأكثر إحراجًا في هذه الوثائق يتعلق بدعوة وُجهت إلى إبستين نفسه لزيارة قصر باكنغهام.
ففي رسالة مؤرخة في 27 سبتمبر/أيلول 2010، كتب إبستين إلى الأمير أندرو خلال وجوده في لندن أنهما بحاجة إلى “قضاء بعض الوقت معًا على انفراد”.
ورد الأمير أندرو باقتراح عشاء داخل قصر باكنغهام مع تخصيص وقت خاص، قبل أن يضيف في رسالة لاحقة:
“يسعدني قدومكم إلى قصر باكنغهام. أحضروا من تشاؤون؛ سأكون متاحًا من الرابعة عصرًا وحتى الثامنة مساءً تقريبًا”.
ولا توضّح الوثائق ما إذا كانت الزيارة قد تمت فعليًا، إلا أن توقيت الدعوة وحده يثير أسئلة حادة، لأن إبستين كان قد خرج قبل أسابيع قليلة فقط من الإقامة الجبرية على خلفية إدانة تتعلق باستغلال قاصر.
من الناحية الرمزية، تمثل دعوة شخصية مثيرة للجدل إلى أحد أكثر المقرات الملكية حساسية في بريطانيا ضربة لصورة المؤسسة الملكية، حتى وإن لم يكن القرار صادرًا باسمها الرسمي.
التناقض مع رواية الأمير أندرو الرسمية
لسنوات، دافع الأمير أندرو عن نفسه بالقول إنه قطع علاقته بجيفري إبستين في ديسمبر/كانون الأول 2010، وهي الرواية التي كررها في مقابلته الشهيرة مع هيئة الإذاعة البريطانية عام 2019.
غير أن الوثائق الجديدة، إلى جانب ما نشرته الصحافة البريطانية خلال العام الماضي، تُضعف هذه الرواية بشكل واضح. فالمراسلات تُظهر أن التواصل لم يكن مجرد تواصل عابر أو بروتوكولي، بل شمل ترتيبات شخصية ودعوات خاصة.
هذا التناقض بين التصريحات العلنية والوثائق المكتوبة هو ما جعل الملف يتجاوز طابعه الأخلاقي، ليأخذ بعدًا يتعلق بالمصداقية السياسية والشخصية للأمير داخل النظام الملكي البريطاني.
سقوط متسارع داخل المؤسسة الملكية
في يناير/كانون الثاني 2025، جُرّد الأمير أندرو من جميع ألقابه الملكية وطُرد من مقر إقامته الرسمي في قلعة وندسور، في خطوة اعتُبرت تتويجًا لمسار طويل من التراجع داخل العائلة المالكة.
وجاءت هذه الخطوة بعد موجة غضب واسعة في بريطانيا، تفجرت عقب نشر مذكرات فيرجينيا جوفري بعد وفاتها. وكانت جوفري قد اتهمت الأمير أندرو بالاعتداء عليها جنسيًا مرارًا عندما كانت قاصرًا.
ورغم أن الأمير لم يعترف بالذنب، فإن الدعوى القضائية التي رفعتها جوفري في الولايات المتحدة انتهت عام 2022 بتسوية خارج المحكمة بلغت ملايين الجنيهات الإسترلينية، وهو ما رسّخ في الرأي العام البريطاني قناعة بأن القضية لم تكن مجرد ادعاءات إعلامية عابرة.
وقد توفيت فيرجينيا جوفري في أبريل/نيسان في منزلها بأستراليا، وهو ما أعاد قضيتها إلى الواجهة من جديد وأضفى عليها بعدًا إنسانيًا مؤلمًا.
اتهامات جديدة… وتوسّع دائرة الشهادات
الضغوط على الأمير أندرو لم تتوقف عند شهادة فيرجينيا جوفري.
ففي تقرير بثته هيئة الإذاعة البريطانية مطلع فبراير/شباط، قالت امرأة ثانية إن جيفري إبستين أرسلها إلى المملكة المتحدة لممارسة الجنس مع الأمير أندرو.
ورغم أن هذه المزاعم لم تصل بعد إلى مسار قضائي واضح، فإن ظهور أكثر من شهادة مستقلة يعزز الانطباع العام بأن القضية لا تتعلق بشخص واحد ولا بواقعة واحدة، بل بشبكة علاقات معقّدة كان إبستين يلعب فيها دور الوسيط والمنسّق.
جيفري إبستين… شخصية غائبة وحاضرة في آن واحد
منذ انتحار جيفري إبستين في السجن عام 2019، لم يتوقف اسمه عن العودة إلى الواجهة، ليس فقط بسبب بشاعة الجرائم المنسوبة إليه، بل بسبب شبكة علاقاته الواسعة التي ضمت سياسيين، ورجال أعمال، وشخصيات عامة من الصف الأول.
الوثائق الجديدة تؤكد مرة أخرى أن نفوذ إبستين الاجتماعي لم يكن هامشيًا، وأنه ظل يحتفظ بقنوات تواصل نشطة حتى بعد سقوطه قضائيًا.
إيلون ماسك… اسم جديد في وثائق إبستين
بعيدًا عن ملف الأمير أندرو، تكشف الوثائق نفسها عن طبيعة العلاقة بين جيفري إبستين ورجل الأعمال إيلون ماسك.
ووفقًا لما أبرزته صحيفة الغارديان، فإن العلاقة بين الطرفين تبدو أوثق وأكثر ودية مما كان يُعتقد سابقًا.
تُظهر المراسلات المتبادلة في عامي 2012 و2013 محاولات لترتيب زيارة ماسك إلى جزيرة “ليتل سانت جيمس”، المعروفة بأنها مقر إقامة إبستين في جزر فيرجن الأمريكية.
وتشير الرسائل إلى أجواء ودّية بين الطرفين، غير أن أياً من محاولات الزيارة لم تكتمل لأسباب وُصفت باللوجستية.
ورغم أن الوثائق لا تقدم أي دليل على تورط ماسك في أنشطة غير قانونية، فإن مجرد إدراج اسمه ضمن شبكة علاقات إبستين يعكس حجم الاتساع الذي بلغته دائرة معارف الممول الأمريكي، ويُظهر كيف أن نفوذه الاجتماعي ظل قائمًا حتى بعد إدانته.
أزمة سمعة طويلة الأمد للعائلة المالكة
سياسيًا وإعلاميًا، لا تبدو تداعيات هذه الوثائق محدودة بزمن نشرها. فالقضية تمس أحد أفراد العائلة المالكة بصورة مباشرة، وتغذي الجدل المستمر داخل بريطانيا حول شفافية المؤسسة الملكية وحدود المساءلة التي تخضع لها.
وبينما تحاول المؤسسة منذ سنوات ترميم صورتها في مرحلة انتقالية حساسة بعد تولي الملك تشارلز الثالث العرش، يظل ملف الأمير أندرو أحد أكثر الملفات عبئًا على سمعة العائلة المالكة، ليس بسبب الوقائع القضائية وحدها، بل بسبب ما تكشفه المراسلات اليوم عن فجوة واضحة بين الرواية الرسمية والوقائع الموثقة.







