نقع جميعا في أخطاء تربوية في تربية الأطفال، فالعلاقة بين الآباء والأبناء تبنى على غريزة الحماية والاحتواء، وهي العاطفة الأنبل التي تضمن بقاء الطفل وأمانه، إلا أن الدراسات التربوية الحديثة بدأت تدق ناقوس الخطر حول ما يُعرف بـ “الحب المعيق”. ففي كثير من الأحيان، يندفع الوالدان بدافع الخوف أو الحرص الزائد نحو ممارسات تظنها القلوب رحمة، بينما يراها علم النفس التربوي قيوداً غير مرئية تحرم الصغير من تطوير أدواته الشخصية، وتجعله يقف عاجزاً أمام أول اختبار حقيقي للحياة خارج أسوار المنزل.
تبدأ هذه الأخطاء من أبسط التفاصيل اليومية، وتحديداً في تلك اللحظات التي ينغمس فيها الطفل في نشاط إبداعي كالرسم أو تركيب القطع الصغيرة؛ ففي هذه اللحظة، يكون عقل الطفل في حالة قصوى من التركيز وبناء الصبر، إلا أن التدخل المفاجئ للأم -حتى لو كان بكلمة مديح أو محاولة للمساعدة- يكسر هذا التدفق الذهني ويحرم الطفل من لذة الوصول للنتيجة بمفرده. وبالمثل، يقع الكثيرون في فخ “الإطراء المتواصل” في توقيتات خاطئة، حيث إن المديح أثناء العمل يشتت الانتباه، بينما يجب أن يكون مكافأة نهائية تعقب الإنجاز، ليتعلم الطفل أن القيمة تكمن في التجربة ذاتها وليس فقط في استجداء إعجاب الآخرين.

ومن زاوية أخرى، تبرز إشكالية “الوالدين المنقذين”، وهم الذين لا يطيقون رؤية طفلهم يواجه صعوبة بسيطة أو إحباطاً عابراً، فيسارعون لحل المشكلات نيابة عنه. هذا السلوك، وإن بدا طيباً، إلا أنه يرسل رسالة ضمنية للطفل مفادها “أنت غير قادر”، مما يضعف ثقته بنفسه ويجعله يفتقر لمهارات حل المشكلات مستقبلاً. إن السماح للطفل بتجربة قدر معقول من الإحباط هو في واقع الأمر تدريب ضروري على المرونة النفسية، فالحياة ليست ممهدة دائماً، والطفل الذي لم يتعثر في صغره وتحت إشراف والديه، لن يعرف كيف ينهض عندما تشتد به رياح الواقع في كبره.
وفي سياق السيطرة على البيئة المحيطة، يميل البعض إلى فرض قيود صارمة أو تعليمات مفرطة تحول مساحة اللعب إلى حقل من الأوامر، مما يقتل روح المبادرة والاستكشاف لدى الطفل. وبدلاً من ذلك، يشير الخبراء إلى أن الدور الحقيقي للوالدين يكمن في توفير بيئة آمنة ومنظمة تمنح الصغير حرية الحركة والتجربة والخطأ. وفي النهاية، يبقى التوازن هو الكلمة السحرية؛ فالحب لا يعني الحماية من كل شيء، بل يعني منح الطفل الجذور التي تثبته، والأجنحة التي تتيح له التحليق باستقلالية، مع إدراك أن دورنا ليس صياغة شخصياتهم وفق أهوائنا، بل دعمهم ليكونوا أفضل نسخة من أنفسهم.







