أعاد نشر صورة أقمار صناعية لقاعدة عسكرية فرنسية في الإمارات فتح ملف بالغ الحساسية في العلاقة المتوترة أصلاً بين طهران وعدد من العواصم الأوروبية، وطرح في الوقت نفسه تساؤلات جدية حول دلالات التوقيت والرسائل السياسية الكامنة خلف هذه الخطوة الإعلامية الإيرانية.
ففي لحظة إقليمية مشحونة، وفي ظل تصاعد غير مسبوق في لغة التهديد المتبادل، وجدت باريس نفسها أمام مشهد أمني دقيق، يتجاوز مجرد صورة جوية، ليطال رمزية الوجود العسكري الفرنسي في الخليج.
دلالات نشر صورة قاعدة الظفرة: رسالة تتجاوز الإطار الإعلامي
نشرت وكالة أنباء فارس الإيرانية، المعروفة بقربها من الحرس الثوري، صورة التقطها قمر صناعي لقاعدة الظفرة الجوية في دولة الإمارات، الواقعة على بعد نحو أربعين كيلومتراً من العاصمة أبوظبي.
ولا تقتصر أهمية هذه القاعدة على بعدها الجغرافي، بل تكمن في كونها إحدى أهم نقاط الانتشار العسكري الغربي في منطقة الخليج، إذ تضم قوات إماراتية وأمريكية وفرنسية، إضافة إلى أن فرنسا أنشأت قاعدتها الجوية هناك منذ عام 2008 في إطار شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع أبوظبي.
في هذا السياق، لا يبدو نشر الصورة خطوة تقنية عادية، بقدر ما يُفهم كرسالة سياسية وأمنية مركّبة، مفادها أن المنشآت العسكرية الغربية في الخليج باتت ضمن نطاق الرصد المباشر الإيراني، وأن طهران قادرة – على الأقل إعلامياً – على إظهار قدرتها على مراقبة البنية العسكرية لخصومها.
باريس ترفع مستوى اليقظة: مقاربة أمنية حذرة
رد الفعل الفرنسي جاء سريعاً، ولكن بلغة محسوبة بعناية. فقد أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن بلاده “متيقظة للغاية” إزاء التطورات الأخيرة، مشيراً إلى أن جميع التدابير الضرورية قد اتُّخذت لضمان قدرة الجنود الفرنسيين المنتشرين في المنطقة على أداء مهامهم في ظروف أمنية وُصفت بأنها “مثالية”.
وخلال زيارة ميدانية إلى منطقة هوت ساون، شدد ماكرون على أن القوات الفرنسية في الإمارات لا تؤدي مهام قتالية هجومية، بل تتركز أدوارها في إطار مكافحة الإرهاب وتدريب الجيوش الشريكة، ولا سيما ضمن التحالف الدولي ضد تنظيم داعش.
هذا التأكيد العلني على طبيعة المهام يعكس حرص باريس على نزع أي ذريعة سياسية قد تُستغل لتبرير تصعيد محتمل، أو لإعادة توصيف الوجود الفرنسي في المنطقة على أنه جزء من ترتيبات هجومية موجهة ضد إيران.
قاعدة الظفرة في الحسابات الإقليمية: أكثر من مجرد موقع عسكري
تحظى قاعدة الظفرة بمكانة خاصة في منظومة الانتشار العسكري الغربي في الخليج، كونها تمثل نقطة ارتكاز لعمليات الاستطلاع والدعم الجوي، ومركزاً لوجستياً مهماً للقوات المتحالفة.
وبالنسبة لفرنسا تحديداً، تشكل القاعدة أحد أبرز رموز حضورها العسكري الدائم في الشرق الأوسط، وتعبيراً عن رغبتها في الحفاظ على موقع فاعل داخل التوازنات الأمنية الإقليمية، إلى جانب الولايات المتحدة وشركاء آخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف القاعدة إعلامياً عبر صورة أقمار صناعية لا ينفصل عن سياق أوسع يتمثل في إعادة رسم خطوط الردع المتبادل في المنطقة، حيث لم تعد الرسائل تقتصر على التصريحات السياسية، بل باتت تُمرَّر أيضاً عبر أدوات الاستعراض الاستخباراتي والإعلامي.
خلفية التصعيد مع أوروبا: الحرس الثوري في قلب الأزمة
يتزامن هذا التطور مع تصاعد لافت في التوتر بين إيران وعدد من الدول الأوروبية خلال الفترة الأخيرة.
فقد أعلنت طهران أنها تعتبر بعض الجيوش الأوروبية، ومن بينها الجيش الفرنسي، “قوات إرهابية”، وذلك رداً على خطوات أوروبية سابقة صنّفت الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.
هذا التراشق في التصنيفات لا يحمل طابعاً رمزياً فقط، بل يفتح الباب أمام مناخ سياسي وأمني أكثر توتراً، ويقوّض المساحات الدبلوماسية التي كانت لا تزال متاحة، ولو بشكل محدود، بين إيران والاتحاد الأوروبي.
وفي هذا الإطار، يُقرأ نشر صورة القاعدة الفرنسية في الإمارات كحلقة إضافية في سلسلة الضغط المتبادل، ومحاولة إيرانية لإيصال رسالة مباشرة إلى باريس مفادها أن الوجود العسكري الأوروبي في الخليج لم يعد خارج دائرة الاستهداف السياسي والإعلامي.
تنسيق فرنسي مع الحلفاء: إدارة أزمة لا تصعيد مفتوح
حرص الرئيس الفرنسي على الإشارة إلى أن الوضع جرى “تقييمه” خلال الأيام الماضية بالتنسيق مع حلفاء فرنسا وشركائها، في إشارة واضحة إلى أن باريس لا تتعامل مع الحادثة باعتبارها شأناً ثنائياً مع إيران فقط، بل كجزء من منظومة أمن جماعي أوسع تشمل شركاءها الأوروبيين والدوليين.
هذا الطرح يعكس إدراكاً فرنسياً لحساسية المرحلة، ووعياً بأن أي رد فعل متسرع قد يؤدي إلى توسيع دائرة التوتر في منطقة تعيش أصلاً على وقع أزمات متداخلة، من غزة إلى البحر الأحمر، مروراً بالملف النووي الإيراني.
ومن هنا، يبدو أن الخيار الفرنسي يميل إلى إدارة المخاطر واحتوائها، بدلاً من الذهاب نحو مسار تصعيدي مفتوح.
موقف الإمارات: تحييد الأرض عن صراعات المحاور
في موازاة ذلك، جدّدت دولة الإمارات العربية المتحدة تأكيدها أن أراضيها لن تُستخدم منطلقاً لأي عمليات عسكرية غربية محتملة ضد إيران.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل حساسية موقع الإمارات الجغرافي، ودورها المتنامي كلاعب إقليمي يسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته مع القوى الدولية والإقليمية.
كما يعكس هذا التأكيد حرص أبوظبي على الفصل بين استضافتها لقوات أجنبية في إطار اتفاقات دفاعية وشراكات أمنية، وبين الانخراط في أي مواجهة مباشرة قد تضعها في قلب صراع إقليمي واسع.
ماذا تعني هذه الحادثة لمسار التوتر في الخليج؟
تكشف واقعة نشر صورة قاعدة الظفرة أن أدوات الضغط في الصراع الإيراني–الغربي لم تعد مقتصرة على العقوبات أو التهديدات العسكرية المباشرة، بل باتت تشمل أيضاً استعراض القدرات الاستخباراتية والإعلامية، واستخدام الفضاء السيبراني والبصري كوسيلة ردع غير تقليدية.
وفي الوقت الذي تحاول فيه باريس التقليل من خطورة الحدث عبر خطاب مطمئن، فإن الرسالة الإيرانية تبدو واضحة: الوجود العسكري الأوروبي في الخليج أصبح جزءاً من معادلة الردع، وليس مجرد عنصر محايد في ترتيبات الأمن الإقليمي.
وبينما تسعى الإمارات إلى إبقاء أراضيها خارج خطوط الاشتباك، تجد فرنسا نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: الحفاظ على التزاماتها الأمنية في المنطقة، وفي الوقت ذاته تجنّب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة.







