جاء الإعلان عن مقتل سيف الإسلام القذافي قرب مدينة الزنتان ليقلب توازنات حساسة داخل المشهد السياسي والأمني، ويعيد طرح واحد من أكثر الأسئلة إرباكًا في ليبيا اليوم: من له مصلحة حقيقية في غياب سيف الإسلام الآن؟
فبين تأكيدات مصدر مقرّب من عائلة القذافي بمقتله على يد أربعة أشخاص، وتدوينة مقتضبة لمستشاره السياسي عبد الله عثمان من دون أي تفاصيل، بقي المشهد مفتوحًا على فرضيات متعدّدة، في ظل تاريخ طويل من الصراع حول موقع سيف الإسلام ودوره المحتمل في مستقبل ليبيا.
الغموض في الرواية الأولى: حادث أمني أم تصفية سياسية؟
حتى اللحظة، لا تتوافر أي رواية رسمية دقيقة عن كيفية وقوع عملية القتل، أو الجهة التي نفذتها، أو الدافع المباشر لها. كل ما رشح إعلاميًا اقتصر على تأكيد وقوع الحادث قرب الزنتان، وعلى أن أربعة أشخاص نفذوا العملية، من دون الإشارة إلى خلفياتهم أو انتماءاتهم.
هذا الفراغ المعلوماتي يعيد إلى الواجهة نمطًا متكررًا في المشهد الليبي، حيث تتحول الأحداث المفصلية إلى مادة للصراع السياسي والإعلامي قبل أن تصبح موضوعًا لتحقيق قضائي مهني.
ويزيد من تعقيد الصورة أن سيف الإسلام ظل طوال السنوات الماضية حاضرًا في المشهد السياسي أكثر مما هو حاضر ميدانيًا، ما يجعل السؤال حول الدوافع يتجاوز البعد الجنائي إلى البعد السياسي الصريح.
الزنتان بين إنهاء “الجوار” وتحميل سيف الإسلام مسؤولية التوتر
قبل الإعلان عن مقتله، كانت المكونات الاجتماعية في مدينة الزنتان قد أصدرت موقفًا شديد اللهجة تجاه سيف الإسلام، تضمن عمليًا سحب أي غطاء اجتماعي أو عرفي عنه داخل المدينة.
وأوضحت هذه المكونات أن بعض الأشخاص الذين يقدّمون أنفسهم على أنهم أنصار للنظام السابق أطلقوا تصريحات وُصفت بالمتطرفة، وظهرت في فعاليات وملتقيات عُقدت تحت عنوان “المصالحة”، معتبرة أن هذه الخطابات لم تعد تعبّر عن مسار اجتماعي جامع، بل تحولت إلى أدوات تحريض واستقطاب.
كما اتهم البيان سيف الإسلام باستغلال ما وصفته بـ”التسامح” الذي مُنح له سابقًا، والسعي إلى الوصول إلى الحكم عبر التحريض وبث الفتنة، رغم ما اعتبرته التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا من رجال الزنتان بحورته وحمايته في مرحلة سابقة.
الأخطر في البيان أن المكونات الاجتماعية اعتبرت سيف الإسلام مصدر تهديد مباشر للسلم الاجتماعي وأمن المدينة، وخطرًا على الاستقرار الوطني، وأعلنت صراحة انتهاء أي التزام عرفي أو اجتماعي تجاهه، وطالبته بمغادرة المدينة فورًا.
هذه الخلفية تجعل مقتل سيف الإسلام – إن تأكد رسميًا – مرتبطًا بسياق توتر محلي حاد سبق الحادث، وليس مجرد واقعة أمنية معزولة.
من المستفيد الأول؟ خصوم عودته إلى المشهد السياسي
خلال الأشهر الماضية، عادت التحركات المرتبطة بسيف الإسلام إلى التداول في أكثر من عاصمة ليبية، وسط حديث متجدد عن إمكانية إعادة طرحه كفاعل سياسي في أي مسار انتخابي قادم.
وبالنظر إلى الانقسام العميق في ليبيا، فإن وجود شخصية مثل سيف الإسلام يمثّل تهديدًا مباشرًا لعدة أطراف في آن واحد، وليس لطرف واحد فقط.
فهو، من جهة، يحمل رمزية سياسية واجتماعية لدى شريحة من الليبيين المرتبطين بمرحلة الدولة السابقة، ومن جهة أخرى، يشكل عامل إرباك حقيقي للمعادلات القائمة بين القوى المتنافسة في الشرق والغرب.
غياب سيف الإسلام يريح، سياسيًا، أطرافًا تخشى من إعادة تشكل كتلة شعبية عابرة للانقسامات التقليدية، خصوصًا إذا ما نجح في توظيف خطاب المصالحة واستعادة الدولة.
من له مصلحة في إسقاط ورقة “الوريث السياسي”؟
على مستوى أوسع، تمثل شخصية سيف الإسلام آخر ورقة سياسية قادرة على إعادة إحياء ما يُعرف بـ”التيار الجماهيري” في معادلة السلطة.
ورغم أن هذا التيار لا يمتلك تنظيمًا موحدًا أو قيادة واضحة، إلا أن سيف الإسلام ظلّ بالنسبة لكثير من أنصاره المرجعية الرمزية الوحيدة القادرة على توحيد هذا المزاج السياسي المبعثر.
من هذه الزاوية، فإن مقتل سيف الإسلام – إذا ثبت – يطوي نهائيًا صفحة مشروع إعادة تدوير رمزية النظام السابق في المشهد السياسي الجديد، ويُغلق الباب أمام أي احتمال لعودة هذا التيار عبر صندوق الاقتراع.
وهو ما يصب مباشرة في مصلحة القوى السياسية والعسكرية التي بنت شرعيتها، خلال السنوات الماضية، على القطيعة الكاملة مع مرحلة القذافي.
المستفيد الإقليمي والدولي: تحييد عنصر إرباك غير مضمون
لا يقتصر سؤال “من المستفيد؟” على الداخل الليبي فقط.
ففي الحسابات الإقليمية والدولية، ظل سيف الإسلام شخصية غير قابلة للتصنيف بسهولة. فهو لا ينتمي بوضوح إلى أي محور إقليمي فاعل، ولا يقدّم ضمانات سياسية واضحة لأي عاصمة مؤثرة في الملف الليبي.
هذا الغموض في التموضع يجعل من عودته المحتملة عنصر عدم يقين بالنسبة للقوى الخارجية التي استثمرت في شخصيات وتحالفات محددة داخل ليبيا.
وعليه، فإن تحييد سيف الإسلام نهائيًا من المعادلة يريح أطرافًا إقليمية ودولية تفضّل التعامل مع لاعبين معروفين، يمكن ضبط إيقاعهم سياسيًا وأمنيًا، بدل الدخول في مغامرة مع شخصية تحمل رصيدًا شعبيًا يصعب التحكم في اتجاهاته.
ماذا عن فرضية الصراع داخل معسكر أنصار النظام السابق؟
من الزوايا التي لا يمكن إغفالها أيضًا، احتمال أن يكون الصراع قد نشأ داخل الدائرة المحيطة بأنصار النظام السابق أنفسهم.
فخلال الفترة الأخيرة، برزت خلافات مكتومة بين مجموعات تدّعي تمثيل هذا التيار، سواء حول أسلوب العمل السياسي، أو طبيعة العلاقة مع القوى المسيطرة على الأرض، أو حول من يملك حق التحدث باسم “الشرعية التاريخية”.
في هذا السياق، لا يمكن استبعاد أن يكون سيف الإسلام قد تحول – بالنسبة لبعض هذه الأطراف – من ورقة توحيد إلى عبء سياسي، خصوصًا إذا اعتُبر أن حضوره يعرقل محاولات بعض الشخصيات إعادة تقديم نفسها كبدائل أكثر “مرونة” في التعاطي مع الواقع الجديد.
لماذا يعود الحديث عن “معلومات سابقة” الآن؟
اللافت في توقيت الإعلان عن مقتله هو أنه يأتي بعد سلسلة من التسريبات غير المؤكدة خلال الأشهر الماضية حول تحركاته، ومكان وجوده، ومحاولات إعادة ترتيب قنوات تواصل داخلية وخارجية.
ورغم أن هذه المعلومات لم تأخذ طابعًا رسميًا، إلا أنها كانت كافية لإعادة إدراج سيف الإسلام ضمن قائمة اللاعبين المحتملين في أي مسار سياسي قادم.
من هنا، فإن مقتل سيف الإسلام – في هذا التوقيت تحديدًا – يبدو أقرب إلى كونه نتيجة تراكم ضغوط سياسية وأمنية سابقة، وليس حدثًا مفاجئًا خرج من فراغ.
هل كان سيف الإسلام عبئًا أكثر منه فرصة؟
السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الحادثة هو ما إذا كان سيف الإسلام قد تحوّل، في نظر عدد من الأطراف، من ورقة تفاوض محتملة إلى مصدر تهديد مباشر للاستقرار المحلي.
فالبيان الصادر عن المكونات الاجتماعية في الزنتان يقدّم سردية واضحة تعتبره عنصر توتر وتحريض وخطرًا على السلم الاجتماعي.
وهذا التحول في الخطاب من “حماية إنسانية” إلى “خطر أمني واجتماعي” يعكس تغيرًا عميقًا في النظرة إليه داخل بيئة كانت تُعد تاريخيًا من أكثر البيئات ارتباطًا بقضيته.
من ربح سياسيًا من غياب سيف الإسلام؟
حتى في غياب نتائج تحقيق رسمية، يمكن القول إن المستفيدين من مقتل سيف الإسلام – إذا ثبتت الواقعة – هم بالدرجة الأولى:
القوى الليبية التي ترى في عودته تهديدًا مباشرًا لمعادلات النفوذ القائمة.
الأطراف التي تخشى من إعادة إحياء كتلة سياسية شعبية يصعب التحكم بها.
بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين يفضّلون مشهدًا ليبيًا أكثر قابلية للتوقع وأقل مفاجآت.
أما الخاسر الأكبر، فهو مسار المصالحة الوطنية ذاته، الذي كان – نظريًا على الأقل – يحتاج إلى إدماج كل الرموز المؤثرة في المجتمع الليبي، لا إقصائها بالعنف أو التصفية في لحظة سياسية شديدة الهشاشة.







