رغم أن إدارة دونالد ترامب ما تزال تُظهر قدرة واضحة على تمرير عدد من السياسات والقرارات، فإن مؤشرات خافتة بدأت تطرح داخل واشنطن سؤالاً مقلقاً: هل تحوّلت قضية جيفري إبستين من ملف قضائي حساس إلى عبء سياسي يُقيّد إيقاع البيت الأبيض ويحدّ من اندفاعه التنفيذي؟
أول هذه المؤشرات يبرز في التحوّل اللافت في وتيرة استخدام الأوامر التنفيذية. ففي بدايات عهده، جعل ترامب من المراسيم الرئاسية أداة مركزية لفرض إيقاع سياسي سريع يقوم على إرباك الخصوم وفرض الأمر الواقع، على طريقة ما كان يصفه هو نفسه بسياسة “الصدمة”. خلال المئة يوم الأولى فقط، وقّع أكثر من 140 مرسوماً، متجاوزاً أرقاماً تاريخية سُجّلت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، في رسالة واضحة مفادها أن الإدارة الجديدة جاءت لتقلب قواعد العمل السياسي التقليدي.
غير أن هذا الزخم تراجع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة. فمنذ شهر سبتمبر، انخفض عدد المراسيم التي يوقّعها الرئيس إلى أقل من عشرة شهرياً، بعدما كانت تتجاوز ثلاثين مرسوماً في المتوسط خلال الربع الأول من عام 2025، وذلك على الرغم من أن الأجندة الجمهورية ما تزال مزدحمة بعشرات الإجراءات غير المنجزة، من بينها أكثر من مائة مقترح مدرج ضمن مشروع “2025” الذي تتبناه مؤسسة التراث المحافظة.
هذا التباطؤ لا يمكن فصله تماماً عن المناخ السياسي الضاغط الذي فرضته عودة ملف إبستين إلى الواجهة. ففي نوفمبر الماضي، وجد ترامب نفسه في مواجهة علنية مع جزء من معسكره البرلماني، بعدما حاول إقناع عدد من النواب الجمهوريين بمعارضة مشروع يُلزم وزارة العدل بنشر وثائق مرتبطة بجيفري إبستين. ومع فشل مساعيه داخل الكونغرس، لجأ إلى إعادة تسويق الهزيمة السياسية باعتبارها “انتصاراً”، في انعكاس واضح لحساسية الملف داخل دوائر القرار.
الأكثر دلالة في هذا السياق أن الرئيس كان، قبل أشهر قليلة فقط، قد هاجم النواب الجمهوريين الذين دعموا نشر الوثائق، واصفاً إياهم بـ“الأغبياء”، قبل أن يضطر لاحقاً إلى تخفيف لهجته والتكيّف مع توازنات داخلية لم يعد قادراً على التحكم بها بالكامل.
في المحصلة، لا تشير هذه المعطيات إلى أن قضية إبستين تشلّ عمل الإدارة أو تُعطّل مؤسسات الدولة بشكل مباشر، لكنها تكشف عن أثر سياسي غير مباشر يتمثل في تراجع هامش المناورة داخل الحزب الجمهوري نفسه، وازدياد حساسية البيت الأبيض تجاه الملفات التي قد تعيد فتح نقاشات محرجة حول الشفافية، والعدالة، وحدود النفوذ داخل الدولة العميقة. وفي إدارة اعتادت العمل بأسلوب الهجوم المستمر، يبدو أن مجرد الانتقال إلى موقع الدفاع… بات مؤشراً بحد ذاته.







