لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعرقلة افتتاح مشروع جسر استراتيجي يربط بين الولايات المتحدة وكندا، رغم أن المشروع يُفترض أن يكون بنية تحتية مدنية تخدم الاقتصاد والتجارة في البلدين.
التهديد لم يكن تقنيًا أو مرتبطًا بمشكلات هندسية، بل اتخذ طابعًا سياسيًا مباشرًا، إذ ربط ترامب السماح بافتتاح الجسر بإعادة التفاوض حول «حقوق الملكية» وتقاسم ما يعتبره مكاسب أميركية سابقة لصالح كندا.
جسر فوق نهر ديترويت… مشروع اقتصادي يتحول إلى رهينة سياسية
الجسر الذي يربط مدينة ديترويت الأميركية بمدينة وندسور الكندية يُعد أحد أكبر مشاريع الربط الحدودي في أميركا الشمالية خلال العقد الأخير. بدأ تشييده قبل سنوات بكلفة ضخمة، ويُنتظر أن يشكل ممرًا حيويًا لحركة البضائع والمسافرين، خصوصًا أن هذا المعبر يمثل أحد أهم شرايين التجارة بين البلدين.
ورغم أن التمويل جاء أساسًا من الجانب الكندي، فإن ترتيبات الملكية والإدارة تقوم على شراكة مع ولاية ميشيغان. غير أن هذا الترتيب لم يمنع ترامب من إعادة طرح مسألة “من يملك ماذا”، في خطاب يوحي بأن كل تعاون بنيوي يجب أن يترجم إلى مكسب سياسي مباشر للولايات المتحدة.
خطاب السيادة الاقتصادية: البنية التحتية كأداة تفاوض
لغة ترامب لم تقتصر على الاعتراض على تفاصيل المشروع، بل عكست مقاربة أوسع تقوم على تحويل المشاريع المشتركة إلى أوراق تفاوض في ملفات غير مرتبطة بها مباشرة.
في هذا السياق، يُقدَّم الجسر بوصفه “أصلًا” يجب إعادة التفاوض حوله، لا كمرفق عام يخدم مصالح متبادلة. هذه المقاربة تُعبّر عن رؤية تعتبر الشراكات الثنائية غير متكافئة بطبيعتها، وأن على واشنطن دائمًا أن تضمن نصيبًا أكبر، حتى في مشاريع لا تمولها أو لا تديرها بشكل كامل.
كندا بين ضغوط واشنطن وإغراءات بكين
التصعيد الأميركي لا ينفصل عن قلق متزايد داخل دوائر القرار في واشنطن من تقارب كندي-صيني متجدد. فعودة أوتاوا إلى فتح قنوات اقتصادية مع بكين، بعد سنوات من الفتور، تُقرأ في البيت الأبيض باعتبارها خروجًا عن “الانضباط الاستراتيجي” داخل المعسكر الغربي.
خطاب ترامب يوظف هذا القلق بطريقة هجومية، عبر التحذير من تمدد النفوذ الصيني في كندا، وتصوير الأمر كتهديد مباشر للأمن والمصالح الأميركية. في هذه الرواية، تصبح أي شراكة كندية مع الصين سببًا مشروعًا لممارسة الضغط، حتى في ملفات لا علاقة لها بالصين من قريب أو بعيد.
من الجسور إلى الطائرات: تصعيد يتجاوز الرمزية
التهديد بعرقلة الجسر لا يبدو حدثًا معزولًا، بل جزءًا من نمط تصعيدي أوسع يشمل أدوات اقتصادية وتجارية حساسة. فقد سبق لترامب أن لوّح بعقوبات جمركية قاسية في حال توسعت الشراكات التجارية الكندية مع بكين، وذهب أبعد من ذلك بالحديث عن إجراءات تمس قطاع الطيران الكندي، وهو قطاع استراتيجي لاقتصاد أوتاوا.
هذا التوسع في أدوات الضغط يعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة مع كندا بمنطق “الامتثال مقابل الاستقرار”، أي ربط سلاسة التعاون الاقتصادي بمدى التزام أوتاوا بالرؤية الأميركية في ملفات السياسة الدولية.
أزمة ثقة داخل التحالف الغربي
في المحصلة، تكشف أزمة الجسر عن خلل أعمق في العلاقات بين حليفين تقليديين. فحين تتحول مشاريع الربط والبنية التحتية إلى أدوات ابتزاز سياسي، فإن ذلك يرسل إشارات مقلقة لبقية الشركاء حول هشاشة قواعد التعاون داخل المعسكر الغربي نفسه.
الملف لا يتعلق بجسر فقط، بل بسؤال أكبر: إلى أي حد يمكن أن تستمر الشراكات الاستراتيجية إذا أصبحت رهينة مزاج سياسي متقلب، يعيد تعريف “الإنصاف” وفق منطق القوة لا وفق قواعد الشراكة المتكافئة؟






