يتعامل الخطاب السياسي في تايبيه مع ملف تايوان بوصفه أكثر من نزاع سيادي محلي، بل باعتباره نقطة مفصلية قد تعيد رسم توازنات الأمن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ برمّتها. التحذيرات المتصاعدة من أن أي تحرّك صيني تجاه الجزيرة لن يتوقف عند حدودها، تعكس قلقًا متزايدًا من تحوّل الأزمة إلى سلسلة ارتدادات إقليمية تمسّ أمن دول آسيوية حليفة للولايات المتحدة، وتطال في نهايتها بنية النظام الدولي القائم على القواعد.
في هذا السياق، تُكثّف القيادة التايوانية رسائلها السياسية والعسكرية، داخليًا وخارجيًا، لتكريس سردية أن الدفاع عن تايوان هو دفاع استباقي عن استقرار إقليمي أوسع، لا مجرّد معركة حول وضع الجزيرة.
تايوان كنقطة ارتكاز في معادلة الردع الإقليمي
تُقدَّم تايوان في الخطاب التايواني بوصفها حجر زاوية في منظومة الردع في شرق آسيا. فموقعها الجغرافي عند تقاطع مسارات بحرية حيوية، وشبكة علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، يجعل أي تغيير قسري في وضعها عامل زعزعة يمتد أثره إلى اليابان والفلبين، وربما إلى عمق المحيط الهادئ.
هذا الربط بين مصير تايوان وأمن الجوار يعكس محاولة لنقل النقاش من إطار “نزاع صيني–تايواني” إلى مستوى أوسع، حيث يصبح أي سيناريو ضمّ قسري تهديدًا مباشرًا للتوازنات الإقليمية القائمة، وليس مجرد شأن داخلي كما تصفه بكين.
سباق تسليح دفاعي أم رسائل ردع سياسية؟
في مواجهة الضغوط المتصاعدة، تسعى تايبيه إلى تعزيز قدراتها الدفاعية عبر تمويل إضافي لبرامج التسلّح وتحديث المنظومات العسكرية. هذا التوجّه لا يُقرأ فقط في إطار الاستعداد العسكري، بل كرسالة سياسية إلى الداخل والخارج بأن تايوان لا تراهن على الحماية الخارجية وحدها، بل تحاول بناء هامش ردع ذاتي يرفع كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة ضدها.
في المقابل، ترى بكين في هذه الخطوات استفزازًا يغذّي منطق “عسكرة النزاع”، وتعتبر الدعم العسكري الأمريكي لتايوان تجاوزًا لخطوط حمراء. وبين السرديتين، تتعمّق حلقة التصعيد الرمزي، حيث يتحوّل كل تحرّك دفاعي إلى مادة لتبرير تحرّكات مضادّة على الضفة الأخرى من المضيق.
من تايوان إلى بحر الصين الجنوبي… سرديات التوسّع والإنكار
تُغذّي التحذيرات التايوانية من “سلسلة توسّع صيني” مخاوف إقليمية أوسع، خصوصًا في دول جنوب شرق آسيا التي تعيش أصلًا نزاعات بحرية مع بكين في بحر الصين الجنوبي. بعض الخطابات الإعلامية القومية داخل الصين، التي تتحدث عن “استعادة أراضٍ” أو فرض وقائع جديدة في محيط بكين الجغرافي، تُستخدم في تايبيه لتأكيد رواية أن ضمّ تايوان لن يكون نهاية المطاف.
في المقابل، تنفي بكين رسميًا أي نيات توسّعية، وتصرّ على أن سياستها الخارجية تقوم على “التنمية السلمية”، وتُدرج ملف تايوان ضمن إطار “شأن داخلي”. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والسرديات الإعلامية القومية يخلق مساحة رمادية تُفاقم الشكوك لدى الجوار الإقليمي، وتغذّي منطق الاستعداد للأسوأ.
حلفاء في مرمى التداعيات… بين الردع والانجرار
لا يقتصر القلق من سيناريو تايوان على تايبيه وحدها. فدول حليفة لواشنطن في المنطقة تجد نفسها، بحكم الجغرافيا والالتزامات الأمنية، في دائرة تداعيات محتملة لأي تصعيد. هذا الواقع يضعها أمام معضلة مزدوجة: كيف تعزّز الردع دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة؟ وكيف توازن بين علاقاتها الاقتصادية مع بكين والتزاماتها الأمنية مع واشنطن؟
هذا التوتر البنيوي يجعل أي أزمة حول تايوان مرشّحة للتحوّل إلى اختبار صعب لمنظومة التحالفات في آسيا، حيث قد يُفرض على دول المنطقة اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا مما ترغب به، في سياق تتقلّص فيه هوامش المناورة الدبلوماسية.
رهان القوة وحدود الاستقرار
في جوهر السجال حول تايوان يكمن سؤال أعمق: هل يمكن فرض وقائع جيوسياسية جديدة بالقوة من دون تفجير منظومة الاستقرار الإقليمي؟ التحذيرات التايوانية من “أثر الدومينو” تعبّر عن قناعة بأن أي تغيير قسري في وضع الجزيرة سيعيد تعريف قواعد الاشتباك في آسيا، ويفتح الباب أمام سباق نفوذ قد يمتد من بحر الصين الجنوبي إلى عمق المحيط الهادئ.
في المقابل، تراهن بكين على أن موازين القوة المتغيّرة تسمح لها بفرض سرديتها حول “الوحدة الوطنية” دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. بين الرهانين، يبقى مستقبل الاستقرار الإقليمي معلّقًا على قدرة الأطراف على إدارة التوتر دون تحويله إلى صدام مباشر، في منطقة تُعدّ اليوم أحد أخطر بؤر الاحتكاك في النظام الدولي المعاصر.






