في تحرك دبلوماسي لافت، عقد وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني اجتماعاً مع رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، في أول لقاء من نوعه بين الجانبين، لبحث سبل محاسبة بشار الأسد وعدد من رموز نظامه على الجرائم المرتكبة خلال السنوات الماضية.
ملفات العدالة الانتقالية
وجرى اللقاء على هامش أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن في مدينة ميونيخ، حيث ناقش الطرفان ملفات العدالة الانتقالية، وآليات الملاحقة القانونية، والتعاون الممكن بين دمشق والمحكمة في إطار المسارات القضائية الدولية.
ونقلت قناة «الإخبارية» السورية عن مصدر في وزارة الخارجية أن المحادثات ركزت على «محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وفي مقدمتهم المجرم بشار الأسد، وعدد من رموز النظام البائد»، مؤكداً أن اللقاء يشكل خطوة أولى نحو تنسيق أوسع في ملف العدالة الدولية.
محطات دبلوماسية موازية
ولم يقتصر نشاط الشيباني على لقاء رئيسة المحكمة، إذ عقد اجتماعاً مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، تناول تطورات الوضع السوري، والتأكيد على «وحدة سوريا»، إضافة إلى بحث الاتفاق الأخير مع الأكراد، وفق بيان صادر عن الخارجية السورية.
كما التقى وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، حيث ناقش الجانبان ملفات الأمن والتنسيق المشترك، في سياق تعزيز التعاون الثنائي وتطوير آليات العمل الأمني بين البلدين.
إعادة ترتيب الأولويات
يأتي هذا الحراك في توقيت سياسي حساس، مع تصاعد الحديث عن ضرورة تفعيل مسارات العدالة الانتقالية، وفتح ملفات المساءلة القانونية على المستوى الدولي، بعد سنوات من التعقيدات السياسية والقانونية التي حالت دون تقدم ملموس في هذا الملف.
وتبين أن انخراط دمشق المباشر مع المحكمة الجنائية الدولية قد يشكل تحوّلاً في مسار التعاطي مع إرث المرحلة السابقة، خصوصاً إذا ما تُرجم إلى خطوات قانونية عملية، سواء عبر إحالات رسمية أو تعاون في جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات.
وتعود قضية محاسبة المسؤولين عن الجرائم في سوريا إلى اندلاع النزاع في البلاد عام 2011، والذي خلف مئات الآلاف من القتلى والمفقودين، وشرد الملايين داخلياً وخارجياً، ومنذ ذلك الحين، أصبحت محكمة المحكمة الجنائية الدولية واحدة من أبرز الساحات القانونية الدولية المطالبة بتوثيق الانتهاكات ومحاكمة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، رغم أن سوريا لم تصدّق على ميثاقها الأساسي، ما جعل المسارات القضائية معقدة ومحدودة.
توثيق آلاف الانتهاكات
وعلى مدى السنوات الماضية، جرى توثيق آلاف الانتهاكات التي ارتكبها نظام بشار الأسد، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية، التعذيب، القصف العشوائي، واستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين.
وقد قدم عدد من المنظمات الدولية والمحلية تقارير مفصلة إلى الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، لكن مسألة تحويل هذه التقارير إلى إجراءات قضائية عملية بقيت محدودة بسبب التعقيدات السياسية والمواقف الدولية المتباينة.
وفي المقابل، سعت بعض الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة وألمانيا، إلى ممارسة ضغط دبلوماسي مستمر على دمشق، بهدف دفعها نحو فتح ملفات العدالة الانتقالية والتعاون مع المسارات القانونية الدولية.
مراحل لاحقة من التحقيق والملاحقة
وقد شهدت السنوات الأخيرة محاولات محدودة لعقد لقاءات تنسيقية بين مسؤولين سوريين ودولية، لكنها كانت غالباً على هامش الاجتماعات السياسية والدبلوماسية الكبرى، دون أن تفضي إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض.
ويأتي لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيسة المحكمة الجنائية الدولية في ميونيخ في هذا السياق، كخطوة جديدة قد تعيد ملف العدالة إلى الواجهة.
ويعتبر البعض أن أي تعاون مباشر بين دمشق والمحكمة، حتى على مستوى المبادرات الأولية، قد يفتح الباب أمام مراحل لاحقة من التحقيق والملاحقة، ويشكل اختباراً لمصداقية الالتزام السوري بمحاربة الإفلات من العقاب، خصوصاً بالنسبة للرموز الكبرى في النظام السابق.







