أعادت لندن وحلفاؤها الأوروبيون فتح ملف وفاة زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني، معلنين أن تحاليل مخبرية لعينات عُثر عليها على جثمانه تشير إلى تعرضه للتسميم بمادة نادرة مشتقة من سم ضفادع السهام السامة في أمريكا الجنوبية. الاتهام، الذي وُجّه بشكل مباشر إلى الدولة الروسية، يأتي بعد عامين من وفاة نافالني في مستعمرة عقابية بسيبيريا، ويضع موسكو مجددًا في قلب مواجهة سياسية وأخلاقية مع الغرب.
اتهام مباشر في لحظة سياسية حساسة
إعلان وزيرة الخارجية البريطانية من مؤتمر ميونيخ للأمن لم يكن مجرد كشف تقني، بل رسالة سياسية محسوبة التوقيت. فالمؤتمر منصة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية الكبرى، وما قيل هناك يُقرأ باعتباره موقفًا رسميًا لا لبس فيه. تأكيد لندن ومعها دول أوروبية رئيسية أن “الدولة الروسية وحدها امتلكت الوسائل والدوافع والفرصة” يمنح الاتهام بعدًا مؤسسيًا، ويتجاوز منطق الشكوك أو التسريبات الإعلامية.
البيان المشترك مع السويد وفرنسا وألمانيا وهولندا يعكس رغبة أوروبية في توحيد السردية والضغط الدبلوماسي، بدل ترك الملف رهينة لتجاذبات ثنائية بين لندن وموسكو. كما أن إبلاغ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يوحي بمحاولة نقل القضية من حيز السياسة إلى حيز القانون الدولي.
سم نادر ورسالة سياسية أبعد من الاغتيال
اختيار مادة نادرة مثل “إيباتيدين” – بحسب ما ورد في التصريحات – يطرح سؤال الدلالة بقدر ما يطرح سؤال الوسيلة. فالتسميم بمواد غير مألوفة لا يخلو من رمزية: رسالة تخويف موجهة للمعارضة في الداخل، وإشارة تحدٍ للخارج بأن الدولة قادرة على الوصول إلى خصومها حتى داخل منظومة السجون.
التحليل العلمي الذي يربط المادة بضفادع برية في أمريكا الجنوبية يعزز سردية “غياب التفسير البريء”، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب الجدل حول كيفية الحصول على السم ونقله واستخدامه دون ترك أثر مباشر يقود إلى الفاعل.
موسكو تنفي… وسرديتان تتصادمان
الرد الروسي لم يخرج عن الإطار المعتاد: نفي الاتهامات ووصمها بـ”الحملة الإعلامية” التي تهدف إلى صرف الانتباه عن أزمات الغرب. هذا الخطاب يعكس استراتيجية دفاعية ثابتة لدى الكرملين، تقوم على تفكيك الاتهام سياسيًا بدل الدخول في تفاصيل تقنية قد تُستخدم ضده.
لكن المفارقة أن موسكو، في حالات سابقة، لم تنجح في تبديد الشبهات، بل ساهم الغموض والتناقض في الروايات الرسمية في ترسيخ انعدام الثقة. ومع أن الكرملين يتجنب ربط اسمه مباشرة بملفات الاغتيال، إلا أن تراكم القضايا المشابهة يجعل النفي أقل إقناعًا في الرأي العام الغربي.
نافالني كرمز: لماذا يُعاد فتح الملف الآن؟
عودة قضية نافالني إلى الواجهة لا تنفصل عن رمزيته السياسية. الرجل لم يكن مجرد معارض، بل تحول خلال سنوات سجنه إلى رمز لتيار معارض يرى في النظام الروسي بنية مغلقة لا تتسامح مع النقد الجذري.
إعادة طرح ملف وفاته بعد عامين يوحي بأن الغرب يريد إبقاء صورة “القمع المنهجي” حاضرة في الذاكرة الدولية، خصوصًا في ظل احتدام الصراع الأوسع مع موسكو على أوكرانيا وعلى شكل النظام الدولي. بهذا المعنى، لا يُقرأ الملف بوصفه قضية جنائية فحسب، بل ورقة ضغط أخلاقية وسياسية تُستثمر في سياق مواجهة طويلة النفس.
ما الذي يتغير بعد هذا الاتهام؟
من غير المرجح أن يؤدي الإعلان إلى تحقيق دولي مستقل يطال مسؤولين روسًا بشكل مباشر، في ظل تعقيدات التوازنات الدولية واستخدام حق النقض في المؤسسات الأممية. لكن التأثير الأرجح سيكون سياسيًا وإعلاميًا:
تشديد الخطاب الأوروبي تجاه موسكو.
تعزيز مبررات العقوبات والعزلة الدبلوماسية.
تثبيت صورة روسيا في المخيال الغربي كدولة لا تتورع عن تصفية معارضيها بوسائل غير تقليدية.
في المقابل، قد تستخدم موسكو الاتهام لتعزيز خطاب “الحصار الغربي” داخليًا، وتقديم نفسها كضحية لحملة تشويه منظمة، وهو ما يخدم سرديتها أمام جمهورها المحلي.
بين الحقيقة القضائية والحقيقة السياسية
قضية نافالني تبدو اليوم عالقة بين مستويين من الحقيقة: حقيقة قضائية يصعب الوصول إليها في ظل غياب تحقيق مستقل داخل روسيا، وحقيقة سياسية تُبنى في الفضاء الدولي عبر التصريحات والبيانات والرموز.
وفي هذا الفراغ، يتحول نافالني من شخص إلى ملف مفتوح، يُستدعى كلما احتاجت المواجهة بين روسيا والغرب إلى شحنة أخلاقية جديدة.
الخلاصة: الاتهام البريطاني لا يغلق ملف وفاة نافالني بقدر ما يعيد فتحه في لحظة سياسية مشحونة. وبين النفي الروسي والتصعيد الأوروبي، يظل السؤال الأهم معلقًا: هل يمكن الوصول يومًا إلى حقيقة قضائية مكتملة، أم أن القضية ستبقى ورقة في صراع أكبر على سردية السلطة والشرعية في روسيا؟







