، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع زيارة رسمية إلى المملكة المتحدة، التقى خلالها الملك تشارلز الثالث في قصر باكنغهام، كما عقد مباحثات مهمة مع رئيس الوزراء كير ستارمر. زيارة تحمل في طياتها أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتؤشر إلى بداية مرحلة جديدة في علاقة دمشق مع الغرب بعد سنوات طويلة من العزلة.
عودة إلى القنوات الدبلوماسية الرسمية
وصفت الحكومة البريطانية هذه الزيارة بأنها خطوة تعزز عودة سوريا إلى القنوات الدبلوماسية الرسمية، بعد أكثر من عقد من الانقطاع. وتُعد هذه المحطة من أبرز اللقاءات بين البلدين منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية عام 2025، في أعقاب زيارة وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إلى دمشق، وهي الأولى من نوعها منذ 14 عامًا.
من العزلة إلى الانفتاح
تأتي زيارة الشرع في سياق تحركات سورية متسارعة لإعادة الانفتاح على العالم الغربي، وإعادة تموضعها سياسيًا بعد مرحلة من التوتر والعقوبات. ويبدو أن دمشق تسعى إلى تقديم نفسها كشريك يمكن التعامل معه في ملفات حساسة، أبرزها الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب.
الهجرة وأمن الحدود في صلب المحادثات
شكل ملف الهجرة محورًا رئيسيًا في اللقاءات، حيث ناقش الجانبان آليات إعادة المهاجرين السوريين غير النظاميين من بريطانيا، إضافة إلى تعزيز التعاون في أمن الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 31 ألف سوري حصلوا على اللجوء في بريطانيا بين عامي 2011 و2021، ما يجعل هذا الملف ذا أهمية سياسية داخلية كبيرة للحكومة البريطانية.
كما أبدت دمشق استعدادها للتعاون في استقبال العائدين ضمن ترتيبات منظمة، وهو ما اعتبرته لندن خطوة إيجابية تتماشى مع التزاماتها الداخلية في ملف الهجرة.
مكافحة الإرهاب كأرضية مشتركة
في سياق آخر، رحب رئيس الوزراء البريطاني بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية ضد تنظيم “داعش”، مشيرًا إلى التقدم المحرز في هذا المجال. ويُنظر إلى هذا الملف كأحد أبرز نقاط التقاطع بين الطرفين، حيث يشكل التعاون الأمني مدخلًا لإعادة بناء الثقة تدريجيًا.
لقاء ملكي برمزية سياسية
استقبال الملك تشارلز الثالث للرئيس السوري في قصر باكنغهام أضفى على الزيارة طابعًا رمزيًا قويًا، خاصة أنها الأولى من نوعها منذ التغييرات السياسية التي شهدتها سوريا عام 2024. ويعكس هذا اللقاء استعدادًا بريطانيًا لإعادة فتح قنوات التواصل، ولو بشكل تدريجي ومحسوب.
تحرك أوروبي متزامن
الزيارة إلى لندن لم تكن معزولة، إذ سبقتها محطة في برلين، حيث التقى الشرع بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس. وتركزت المباحثات هناك أيضًا على ملفات الهجرة، حيث طُرحت خطط لإعادة جزء كبير من اللاجئين السوريين خلال السنوات المقبلة، في إطار سياسات أوروبية أكثر تشددًا.
إعادة التموضع في عالم متغير
تعكس هذه التحركات مجتمعة محاولة سورية واضحة لإعادة الاندماج في النظام الدولي، مستفيدة من التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم. فبين الحاجة الأوروبية للتعاون في ملفات الهجرة والأمن، ورغبة دمشق في كسر العزلة، تتشكل معادلة جديدة قد تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من العلاقات.




