بينما تتسارع الدبلوماسية الأميركية-العربية لالتقاط خيط تهدئة، كشف كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشؤون أفريقيا، مسعد/مسّاد بولس، عن مقترح هدنة إنسانية بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» بمدى زمني مرن (3 إلى 9 أشهر)، مع آليات مراقبة وتنفيذ لوجستية وفنية، مؤكِّدًا أن القوتين رحّبتا مبدئيًا لكن من دون مفاوضات مباشرة، إذ يجري التواصل الثنائي غير المتزامن عبر الوسيط الأميركي. هذه الخطوط العريضة تندرج ضمن مسار «الرباعية» (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات) التي دفعت منذ سبتمبر بخارطة طريق لوقف النار والانتقال السياسي، وبدأت بالفعل صياغة لجان تنسيق وممرات إنسانية، بحسب تصريحات بولس وتقارير موازية.
ما الذي تتضمنه الورقة عمليًا؟
تتفق معظم التسريبات الإعلامية على أن الورقة الأميركية المقترحة لوقف إطلاق النار في السودان تتضمن أربعة محاور رئيسية تُشكّل في مجموعها ما يشبه «خريطة تقنية» للهدنة أكثر منها مبادرة سياسية شاملة.
المحور الأول يقوم على التأكيد مجددًا على وحدة السودان وسيادته، وهي صيغة يُراد منها طمأنة الجيش ومؤيديه بأن الهدنة لن تفتح الباب أمام أي اعترافٍ بفكرة الانقسام أو بتثبيت أمرٍ واقعٍ جديد فرضته الحرب.
أما المحور الثاني فيتعلق بـ التزام الطرفين بحسن النية، وهي عبارة فضفاضة في ظاهرها لكنها تعكس رغبة واشنطن في إرساء حدٍّ أدنى من الثقة قبل الدخول في تفاصيل الترتيبات الميدانية.
في المحور الثالث، تحدد المبادرة المدة الزمنية للهدنة بين ثلاثة وتسعة أشهر، مع فصلٍ ميداني واضح للقوات وإيقافٍ تام للغارات الجوية، وهو بند جوهري يواجه صعوبات في التنفيذ بسبب تداخل مناطق السيطرة وتعدد القوى المحلية التابعة لكل طرف.
أما المحور الرابع، فيتضمن إنشاء لجنة مشتركة للتنسيق والمراقبة والإبلاغ عن الانتهاكات، على أن تضم ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ودولٍ من «الرباعية» المعنية بالملف (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر).
هذه البنود مجتمعة تعبّر عن انتقالٍ تدريجي من لغة البيانات العامة إلى مقاربةٍ أكثر انضباطًا وقياسًا، تحاول أن تحوّل الهدنة من مجرد إعلان سياسي إلى عملية يمكن مراقبتها وتقييمها. لكنها، في الوقت نفسه، تكشف هشاشة التوازن الذي يحكم المبادرة؛ إذ إن الخلاف حول شرعية قوات الدعم السريع ودورها المستقبلي يجعل من الصعب تحويلها إلى اتفاقٍ سياسي شامل. فبالنسبة للجيش، لا يمكن مساواة مؤسسة الدولة بكيانٍ مسلحٍ يتهمه بارتكاب جرائم حرب، بينما ترى القوى الدولية أن تجاهل الدعم السريع بات أمرًا مستحيلًا بحكم سيطرته على مساحات واسعة من الأرض.
لهذا السبب، يُنظر إلى المقترح الأميركي باعتباره هدنة إنسانية مشروطة أكثر منه تسوية سياسية حقيقية، هدفها تخفيف الكارثة الميدانية وفتح ممرات الإغاثة، لا إعادة رسم شكل الحكم أو تحديد مستقبل السلطة في السودان. إنها محاولة لشراء الوقت وإبطاء الانهيار، أكثر مما هي خطوة نحو سلامٍ مستدام، في بلدٍ ما زال يبحث عن اتفاقٍ على من يملك حقّ تمثيله قبل أن يبدأ في كتابة شروط سلامه.
تعقيد المشهد: سقوط الفاشر وتجفيف شرايين الحياة
مجاعة مؤكَّدة: الهدنة سباق مع الزمن لا مع السياسة
على خطٍ موازٍ للمساعي السياسية المتعثّرة، تتكشّف في السودان مأساة إنسانية هي الأشدّ منذ اندلاع الحرب، بعدما أكّد «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» (IPC) دخول مدينتي الفاشر وكادوقلي رسميًا مرحلة المجاعة الخامسة — وهي أعلى درجات انعدام الأمن الغذائي وفق المعايير الأممية، حيث لا يعود الجوع تهديدًا بل واقعًا قاتلًا.
التقرير الأممي يرسم صورة قاتمة: أكثر من 21 مليون سوداني يعانون من مستويات حادة من الجوع، بينهم ما لا يقل عن 375 ألف إنسان في حالة كارثية لا يجدون ما يسدّ رمقهم سوى مساعدات نادرة ومتقطعة. ومع انقطاع الإمدادات التجارية وغياب الممرات الإنسانية، تحولت مناطق بأكملها إلى جزر من العزلة والموت البطيء. لم تعد الفاشر مدينة منكوبة بالحرب فقط، بل رمزًا لانهيار المنظومة الغذائية في بلدٍ تتآكل أطرافه بين النزوح والجفاف والاقتتال.
هذه الأرقام لا تعكس مأساة اقتصادية فحسب، بل تحوّلًا في طبيعة الكارثة السودانية من صراعٍ سياسي إلى أزمة بقاءٍ وجودية. فالمجاعة، بطبيعتها، لا تعرف خطوط التماس، وتخترق كلّ الحواجز العسكرية. إنها المرحلة التي يصبح فيها الوقت أثمن من الدبلوماسية، إذ إنّ كلّ يومٍ من التأخير يعني موتًا جديدًا لطفلٍ أو أسرةٍ محاصَرة.
في هذا السياق، تتحوّل الهدنة المقترحة من واشنطن — مهما كانت محدودة أو مؤقتة — إلى اختبار فوري للجدوى الإنسانية قبل أن تكون تفاهمًا سياسيًا. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي اتفاق لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بقدرة الشاحنات المحمّلة بالغذاء والدواء على اجتياز خطوط النار والوصول إلى الفاشر وكادوقلي والمناطق المحيطة بهما.
زخم إقليمي: نبرة تركية أعلى
أين يمكن أن تتعطل مبادرة الهدنة؟
في عمق المشهد السوداني، يبدو أن الطريق إلى الهدنة التي تقترحها واشنطن ليس معبّدًا بالإرادة السياسية فحسب، بل بالمفارقات التي تتهددها من الداخل والخارج معًا. فالسؤال الجوهري الذي يسبق أي تفاوض هو: من يملك شرعية الجلوس إلى الطاولة؟
فالخلاف حول الاعتراف بقوات الدعم السريع شريكًا سياسيًا مشروعًا لا يزال يحدّد شكل المبادرة وحدودها. بالنسبة إلى الجيش، لا يمكن الحديث عن هدنة تتساوى فيها الدولة مع “ميليشيا متمردة”، بينما يرى الوسط الدولي أن تجاوز هذا الجدل شرط لوقف إطلاق النار قبل الانهيار الكامل. وبهذا المعنى، فإن الهدنة، إن تحققت، ستظل إنسانية بالدرجة الأولى، مؤقتة بطبيعتها، أقرب إلى «استراحة من الحرب» منها إلى اتفاق سياسي شامل.
إلى جانب ذلك، تواجه الهدنة معضلة التنفيذ. فنجاح أي وقف نار في بلدٍ تتشابك فيه الجبهات والولاءات يحتاج إلى جهاز مراقبة ميداني مستقلّ وقدرة لوجستية وتمويلٍ مستدام، وهي عناصر غير متوفّرة حتى الآن. الخرائط التي يفترض أن تفصل بين القوات لا تزال نظرية، والمراقبة الدولية تصطدم بعزوف الأطراف عن السماح بانتشار قوات أجنبية داخل مناطق نفوذها. هذا الفراغ الميداني يجعل أي اتفاق عرضة للانهيار قبل أن يُكتب.
يضاف إلى ذلك ثقل العدالة الدولية الذي يخيّم على المشهد. فاندفاعة المحكمة الجنائية الدولية بعد إدانة علي كوشيب شكّلت سابقة تذكّر قادة الحرب الحاليين بأنّ الجرائم لا تسقط بالتقادم. وبينما يشجع ذلك على توثيق الانتهاكات، فإنه يثير في الوقت نفسه مخاوف الميدانيين الذين يخشون أن يكون تسليم السلاح مقدمة للمساءلة لا للسلام. وهكذا تتحول العدالة من أداة ردع إلى عنصر ارتباك سياسي، يجمّد الإرادة العسكرية عند حدود الشك.
وفي ظل هذا كله، تبقى المأساة الإنسانية هي المؤشر الأكثر قسوة على فشل السياسة. فالمجاعة المعلنة في الفاشر وكادوقلي لم تعد تهديدًا محتملًا بل واقعًا يتفاقم كل يوم. أي هدنة لا تفتح طرق الإغاثة فعليًا، ولا تتيح وصول الغذاء والدواء، ستفقد معناها مهما كانت صياغتها الدبلوماسية أنيقة. هنا يصبح الزمن نفسه طرفًا في الحرب، وكل يوم تأخير يعني مزيدًا من الوفيات، ومزيدًا من انكشاف عجز العالم عن إنقاذ السودان من السقوط الحرّ نحو كارثة إنسانية توازي في عمقها انهيار الدولة ذاتها.
خلاصة تحليلية
المقترح الأميركي-العربي صُمّم كـ«هدنة إنسانية طويلة» (3–9 أشهر) لشراء الوقت ووقف النزيف وتهيئة مسار سياسي لاحق، لكنه يصطدم بواقع جديد: مدينة منهكة تحت سيطرة «الدعم السريع»، ومجاعة مُعلَنة، ومناخ محاسبة جنائية يتصل بتاريخ دارفور كما حاضره. لذلك، مؤشّر النجاح الوحيد القابل للقياس الآن هو: دخول مساعدات ضخمة وآمنة وسريعة إلى الفاشر وكادوقلي، وإرساء فرق مراقبة محايدة على خطوط التماس. ما عدا ذلك سيبقى في خانة البيانات.
إذا رغبت، أرتّب لك «بطاقة متابعة» يومية بأربع خانات (الميدان، الإغاثة، المسار السياسي، المساءلة الدولية) مع وصلات المصادر الموثوقة وتحديثات موجزة.






