عاد التوتر الأمني ليفرض نفسه بقوة على المشهد في العاصمة الليبية طرابلس، بعدما شهدت شوارعها انتشار أرتال مسلحة وتحركات عسكرية مفاجئة قادمة من مدن الغرب الليبي.
هذا التطور الخطير أعاد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة من المواجهات الدامية، وأثار قلق السكان من احتمال انزلاق الأوضاع نحو صراع جديد يعمّق جراح البلد المنهك أصلاً بالانقسامات السياسية.
هشاشة أمنية في ظل الانقسام السياسي
المشهد الحالي يعكس هشاشة البنية الأمنية في طرابلس، حيث يكفي أي احتكاك بين القوى المسلحة لإشعال فتيل أزمة جديدة.
فالعاصمة التي لم تلتقط أنفاسها بعد من تبعات مواجهات سابقة، تجد نفسها اليوم وسط بيئة مشحونة ومفتوحة على احتمالات انفجار مفاجئ، خاصة في ظل غياب توافق سياسي جامع بين الفرقاء.
أكد الكاتب والباحث الليبي عز الدين عقيل أن احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية جديدة في طرابلس “كبيرة وخطيرة”، مشيراً إلى أن المخاطر ستكون جسيمة على المدنيين، خصوصاً أن قوات الردع وقوات رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة تنتشر من قلب الأحياء السكنية.
وأوضح عقيل أن أي مواجهة ضارية ستجعل المدنيين الضحايا الأوائل، ما يضاعف من خطورة أي قرار بدخول العاصمة في جولة قتال جديدة.
ضغوط غربية لإضعاف قوات الردع
بحسب الباحث الليبي، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا تضغطان بقوة من أجل إضعاف قوات الردع وإجبارها على الانسحاب من قاعدة معيتيقة الاستراتيجية.
وأشار إلى أن القرار بإقصاء هذه القوة ليس قراراً محلياً بقدر ما هو خارجي، تدعمه عواصم غربية تسعى لإعادة رسم موازين القوى في طرابلس، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار الداخلي.
ويذهب عقيل إلى أن إصرار رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة على المضي في هذا المسار يعكس خضوعاً واضحاً لهذه الضغوط، رغم أن قوات الردع كانت في السابق حليفاً رئيسياً له وساهمت في حمايته من محاولات إطاحته.
تصفيات واغتيالات تسبق الحسم
أشار عقيل إلى أن التحول في المشهد بدأ مع تصفية عبد الغني الككلي المعروف بـ”غنيوة”، آمر قوة دعم الاستقرار، مع الإبقاء على الجهاز نفسه وتعيين قيادة جديدة له.
ويرى أن الهدف من هذه العملية كان ضرب النفوذ الشخصي لغنيوة، خاصة بعد تمدده في قطاعات حساسة مثل الاتصالات والنفط، ما اعتبرته واشنطن تهديداً مباشراً لمصالحها الأمنية والاقتصادية في ليبيا.
ولفت إلى أن الككلي كان قد توسع باتجاه شركات النفط والاتصالات، ما جعله عقبة أمام مشاريع أمريكية أوسع، خصوصاً المتعلقة بترتيبات سياسية وعسكرية جديدة في البلاد.
سيناريوهات مفتوحة: حرب أم استعراض قوة؟
يرجح الباحث الليبي أن التحركات العسكرية الحالية قد تكون مقدمة لاندلاع حرب مفتوحة في العاصمة، لكنها قد تمثل في الوقت نفسه مجرد استعراض للقوة يهدف إلى إرغام قوات الردع على تقديم تنازلات سياسية وعسكرية، من دون الدخول في مواجهة مباشرة.
وفي كلتا الحالتين، يرى عقيل أن الهدف النهائي يتمثل في “القضاء على جهاز الردع وتفكيك نفوذه” بما يتيح للدبيبة تنفيذ أجندة القوى الخارجية الساعية لإعادة تشكيل خريطة التحالفات في طرابلس.
هذا التطور الخطير أعاد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة من المواجهات الدامية، وأثار قلق السكان من احتمال انزلاق الأوضاع نحو صراع جديد يعمّق جراح البلد المنهك أصلاً بالانقسامات السياسية.
المشهد الليبي اليوم يقف عند مفترق طرق خطير: إما الدخول في جولة جديدة من العنف تعصف بأمن العاصمة وتهدد حياة المدنيين، أو الرضوخ لضغوط دولية تسعى لإعادة هيكلة المشهد العسكري والسياسي في غرب البلاد.
وفي ظل غياب حل سياسي شامل وانقسام مؤسسات الدولة، يبقى السؤال الأهم: هل تتجه ليبيا نحو حرب جديدة في طرابلس، أم أن هذه التحركات مجرد ورقة ضغط عابرة لإعادة ترتيب موازين القوى؟







