شهدت موانئ بنزرت وسيدي بوسعيد وقمرت صباح الاثنين 15 سبتمبر 2025، لحظات استثنائية مع إبحار أسطول الصمود المتجه إلى غزة. مئات المتضامنين رفعوا الأعلام الفلسطينية وهتفوا للحرية، في مشهد ممزوج بالفرح والقلق.
المشاركون في الرحلة أكدوا أن قرارهم ليس مغامرة، بل واجب إنساني وأخلاقي أمام معاناة أكثر من مليونَي فلسطيني تحت الحصار.
وجوه من كل العالم على متن الأسطول
يضم الأسطول متطوعين من 44 دولة، من بينهم بحارة، أطباء، نشطاء حقوقيون، وصحفيون. من أبرزهم البحار التونسي محسن السويسي الذي ترك عائلته من أجل القضية، والناشط الماليزي موسى داتو الذي ودع زوجته الحامل، والفرنسية إلهام موفق حاتيلد التي قالت إن “الضمير الإنساني لا يعرف التراجع”، إضافة إلى الشاب الليبي صهيب تنتوش الذي تلقى تدريبات في تونس على الملاحة وضبط النفس في مواجهة أي اعتراض محتمل.
انطلقت القافلة المغاربية بـ 23 سفينة من الموانئ التونسية، إلى جانب سفن أخرى من أوروبا وآسيا ضمن الأسطول العالمي.
المتطوعون تلقوا تدريبات مكثفة على التعامل مع الطوارئ البحرية ومحاولات الاعتراض، فيما تتوقع اللجان المنظمة أن تستغرق الرحلة عشرة أيام للوصول إلى المياه الإقليمية لقطاع غزة إذا لم تحدث عراقيل مناخية أو أمنية.
مخاطر حقيقية تلاحق الرحلة
يُعد اعتراض البحرية الإسرائيلية التحدي الأكبر أمام الأسطول، خاصة بعد تعرض سفينتين (“ألما” و”العائلة”) لهجمات بطائرات مسيرة خلال تواجدهما في ميناء سيدي بوسعيد.
كما تواجه القافلة تحديات تقنية ولوجستية مرتبطة بتعدد الجنسيات، واختلاف الخبرات، وصعوبة الملاحة في عرض البحر.
أبعاد سياسية ورسائل إنسانية
يرى منظمو الحملة أن الهدف يتجاوز إيصال المساعدات إلى غزة، فهو محاولة لكسر الحصار إعلامياً وسياسياً، وإعادة تسليط الضوء على المأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
الأسطول يسعى لإرسال رسالة مفادها أن التضامن الشعبي يتجاوز حدود الحكومات، وأن الشعوب قادرة على خلق مساحات ضغط في الرأي العام الدولي.
يقول الدكتور طارق العوضي، أستاذ العلاقات الدولية، إن أسطول الصمود يمثل اختباراً جدياً للمجتمع الدولي الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان.
ويضيف: “إذا تعرّضت القافلة لاعتداء، فإن ردود فعل العواصم الكبرى ستكشف مدى التزامها بمبادئها المعلنة، أو استمرارها في ازدواجية المعايير”.
“إسرائيل ستتعامل ببراغماتية وحذر”
يرى اللواء المتقاعد إبراهيم عبد الله أن إسرائيل لن تسمح للأسطول بالوصول إلى غزة بسهولة، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن تتحول أي مواجهة عنيفة إلى أزمة دبلوماسية عالمية.
ويشير إلى أن السيناريو المرجح هو الاعتراض البحري أو إيقاف السفن بعيداً عن الشاطئ، لتفادي مشاهد قد تؤدي إلى انتقادات واسعة.
الحملة تحمل شرعية أخلاقية
يؤكد الخبير القانوني مروان الشاذلي أن الأسطول يتحرك ضمن إطار الشرعية الدولية، إذ ينطلق بمبادرة مدنية سلمية، وهدفه المعلن إيصال مساعدات إنسانية.
ويضيف: “هذا يعطي المشاركين غطاء قانونياً وأخلاقياً، وأي اعتراض مسلح سيُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي”.
رسالة الأسطول إعلامية قبل أن تكون إغاثية
يقول الإعلامي محمود سرحان إن القيمة الأكبر للحملة تكمن في ما ستولده من صدى إعلامي عالمي، حتى لو لم تصل السفن فعلياً إلى غزة.
ويضيف أن التغطية الواسعة ستضع الحصار تحت المجهر، وتمنح الفلسطينيين مساحة جديدة لإسماع صوتهم في الساحة الدولية.
يرى الباحث الاستراتيجي حسن البكري أن أسطول الصمود يعيد للأذهان حملات التضامن الدولي السابقة مع جنوب إفريقيا إبان الفصل العنصري.
ويشير إلى أن هذه التحركات الشعبية قادرة على خلق حراك تراكمي يضغط على الحكومات الغربية لتغيير مواقفها، حتى وإن كان الأثر بطيئاً.
النهاية ما زالت مفتوحة
بين الأمل والخوف، يبحر أسطول الصمود محمّلاً بالأحلام والرسائل الإنسانية.
ورغم المخاطر، فإن كل سفينة تحمل معها دليلاً على أن القضية الفلسطينية ما زالت حيّة في ضمائر الأحرار حول العالم. الرحلة مفتوحة على كل الاحتمالات: نجاحٌ يكتب التاريخ، أو مواجهة تكشف عجز العالم أمام الاحتلال.






