لم تعد معاناة الأطفال المصابين بـاضطراب طيف التوحد، في قطاع غزة، تُقاس فقط بمدى توفر برامج التأهيل أو جودة الرعاية الصحية، بل أصبحت مرهونة بقدرتهم على البقاء في بيئة تتآكل فيها مقومات الأمان والاستقرار يوماً بعد يوم. لإذ لم تكتف الحرب بتعطيل الخدمات الطبية والنفسية، بل أعادت تشكيل الحياة اليومية لهذه الفئة الهشة، لتضعها أمام تحديات وجودية تتجاوز طبيعة الاضطراب نفسه.
فقد الأطفال المصابون بالتوحد الركائز الأساسية، في ظل القصف المتكرر، والنزوح المستمر، وانهيار البنية التحتية الصحية، التي يعتمدون عليها، وعلى رأسها الروتين والاستقرار والدعم المتخصص. وهو ما أدى إلى تفاقم حالاتهم بشكل ملحوظ، ودفع بعائلاتهم إلى أدوار قسرية كبدائل عن الأخصائيين، في محاولة لسد فجوة متسعة في منظومة الرعاية.
الأنقاض تعمق مأساة “ليان”
في حي الشيخ رضوان، شمالي مدينة غزة، تعيش ليان أبو قوسة (16 عاما) – المصابة بالتوحد – مع عائلتها داخل أنقاض منزلهم المدمر، في ظل ظروف تقول عائلتها إنها قد فاقمت التحديات اليومية المرتبطة بحالتها الصحية.
ويقول والدها، حماد قوسة إنه حتى قبل اندلاع الحرب، كانت ابنته بحاجة إلى رعاية طبية وتأهيلية منتظمة، غير أن الوضع الاقتصادي وشح الموارد في غزة حالا دون تمكن العائلة من تأمين ذلك الدعم.
“حتى قبل الحرب على قطاع غزة، كانت ابنتي ليان بحاجة إلى برنامج علاجي طبي، بالإضافة إلى برنامج للعلاج التأهيلي. ولكن القدرات التشغيلية المحدودة في غزة، إلى جانب الضائقة المالية التي تمر بها العائلة، منعتنا من تلبية احتياجات ليان”. وفقا لتصريحات والدها لموقع أخبار الأمم المتحدة.
وأضاف أن التحديات المرتبطة بحالة ابنته قد ازدادت تعقيدا مع تقدمها في العمر، قائلا: “كلما تقدمت ليان في العمر، ازدادت الصعوبات في حياتها. لقد كان التعامل معها أسهل قبل سنوات، ولكن كلما كبرت، أصبح من الصعب السيطرة عليها وتنظيم سلوكها داخل الأسرة”.
تدهور الحالة الصحية بعد الحرب
وتقول العائلة إن تدمير الاحتلال لمنزلهم قد جعل رعاية ليان أكثر صعوبة، إذ أصبحت البيئة المحيطة بها أكثر خطورة وأقل استقرارا، مما اضطر أفراد الأسرة إلى مراقبتها بشكل مستمر.
وقال حماد قوسة: “وضع المنزل الآن صعب للغاية. لقد كانت رعايتها أمرا شاقا بالفعل من قبل؛ فكيف الحال الآن؟ لقد ازدادت المخاطر، كما أن حالة الدمار التي يعيشها المنزل قد أضافت عبئا جديدا على محاولاتنا للسيطرة على ليان والإشراف عليها داخل المنزل”. حسب وكالة وفا.
وأوضح أن الأسرة اضطرت إلى مراقبة ليان على مدار الساعة، حيث يتعين بقاء أحد أفرادها معها داخل المنزل خلال النهار، الأمر الذي يقيّد حركة العائلة ويؤثر على إنتاجيتها، في ظل عدم القدرة على تركها بمفردها لتتحرك بحرية وأمان.
وفي حالة مماثلة، تقول إسلام شمالي إن الحرب عطلت رحلة علاج ابنها يحيى المصاب بالتوحد، والذي كان يحرز تقدما صحيا ملحوظا قبل الحرب، بيد أن حالته تدهورت عقب اندلاعها. مشيرة إلى أن ابنها كان يتلقى رعاية متابعة في مراكز متخصصة قبل الحرب، وأن الأسرة سعت أيضا لعلاجه في مصر، حيث تحسنت حالته بشكل ملحوظ.
مخاطر التنقل وعدم توافر أماكن متخصصة
وقالت: “قبل الحرب، كان يحيى يرتاد مراكز متخصصة ويتابع حالته مع الأطباء. وقد سافرنا إلى مصر لتلقي العلاج، وهناك تحسنت حالته وبلغت مراحل متقدمة من التحسن”. فضلا عن أن هذا التقدم توقف بعد وقت قصير من عودة الأسرة إلى غزة، وقبيل اندلاع الحرب مباشرة، ليعقب ذلك موجات متكررة من النزوح وانعدام الاستقرار.
وتابعت: “بعد عام من العلاج في مصر، عدنا إلى قطاع غزة، وبعد أسبوع واحد فقط، اندلعت الحرب. اضطررنا حينها إلى الفرار، وتفاقمت حالة يحيى بسبب التنقل المستمر من مكان إلى آخر؛ إذ تدهورت حالته بشكل أكبر، وكان يهرب باستمرار من الخيمة لعدم وجود مكان آمن له فيها”.
وأضافت أن الأطفال المصابين بالتوحد بحاجة إلى بيئة آمنة ومستقرة، لأنهم غالبا ما يعجزون عن إدراك المخاطر المحيطة بهم، كما أن أي اضطراب يطرأ على روتينهم اليومي يُحدث تأثيرا مباشرا على حالتهم الصحية.
وقالت: “يحتاج الأطفال المصابون بالتوحد إلى التواجد في أماكن آمنة، لأنهم لا يدركون طبيعة الخطر. وثمة سبب آخر لتدهور حالته، وهو أن الأطفال المصابين بالتوحد يميلون بطبعهم إلى الروتين، وقد أدى التنقل المستمر من مكان لآخر إلى تفاقم حالته. وفي نهاية المطاف، وصلنا إلى هذا المكان واستأجرنا هذه الشقة – التي لا تزال قيد الإنشاء – رغم أن كلفة إيجارها تفوق قدرتنا المادية؛ غير أننا فعلنا كل ذلك حماية ليحيى وحفاظا على حياته”.
“حتى قبل الحرب، كنّا نعاني بالفعل من مشكلة تتعلق بتوفر الأطباء والأخصائيين، فضلا عن شح مراكز الرعاية والتأهيل. لقد كانت هناك تحديات جمّة حتى قبل اندلاع الحرب؛ فكيف الحال الآن؟.. وخلال فترة الحرب، اضطرت العديد من العائلات إلى تعويض غياب الأخصائيين، رغم افتقارها للأدوات والخبرات اللازمة للقيام بذلك. حسب تصريحات ريم جعرور، رئيسة برامج التوحد في جمعية الدلفين للتعليم والتنمية المجتمعية. لوكالة وفا.
فقدان الدعم النفسي والعاطفي للأطفال
وقالت جعرور: “أثناء الحرب، وجد الآباء أنفسهم مجبرين على تقمص أدوار الداعم، ومقدم الرعاية، بل وحتى الأخصائي؛ وكان الوضع بالغ الصعوبة بالنسبة لهم، إذ لم يكن جميع الآباء مؤهلين أو قادرين على التعامل مع أطفالهم بهذه الطريقة”.
وأضافت أن الآباء لم يكونوا قادرين على التواصل مع أطفالهم بالأساليب المتخصصة التي يعتمدها الأخصائيون، مما أدى إلى فقدان الأطفال قدراً كبيراً من الدعم النفسي والعاطفي والمادي، وهو ما أثر بشكل ملحوظ على مهاراتهم التواصلية ومسار نموهم وتطورهم.
وفي قطاع غزة، لا توجد إحصائيات دقيقة أو مسوحات متخصصة تحدد أعداد الأطفال المصابين بالتوحد؛ غير أن المهنيين العاملين في هذا المجال يقدّرون أن أعدادهم بالمئات، وذلك وسط شكاوى من ضعف خدمات التأهيل، ومحدودية الخبرات المتوفرة في مراكز الرعاية؛ وهي أزمة يقول الأخصائيون إنها تفاقمت بشكل أكبر خلال فترة الحرب.




