للعام الثالث على التوالي، يُحرم سكان قطاع غزة من ممارسة واحدة من أبرز شعائر عيد الأضحى، بعدما أدى الحصار وإغلاق المعابر وتدمير الثروة الحيوانية إلى اختفاء الأضاحي وارتفاع أسعار اللحوم إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت يعتمد فيه غالبية السكان على المساعدات الإنسانية المحدودة.
ولم يعد غياب الأضحية مجرد أزمة موسمية، بل تحوّل إلى رمز لحجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع، حيث باتت العائلات تكافح من أجل توفير الحد الأدنى من الغذاء لأطفالها وسط تفشي الجوع وسوء التغذية.
أصوات الدمار بدلا من تكبيرات العيد
ومع حلول العشر الأوائل من ذي الحجة، تتزين شوارع المدن الإسلامية بأجواء العبادة وتعلو أصوات التكبيرات استعدادًا لموسم الحج وعيد الأضحى، غير أن المشهد في قطاع غزة يبدو مختلفًا تمامًا؛ إذ تحضر الحرب والحصار والمجاعة بدلًا من مظاهر الفرح والاحتفال.
في الوقت الذي تستعد فيه العائلات في مختلف الدول لشراء الأضاحي وتجهيز موائد العيد، يعيش مئات آلاف الفلسطينيين في غزة داخل خيام النزوح تحت وطأة الجوع والفقر وغياب أبسط مقومات الحياة.
إيمان: أطفالي نسيوا شكل اللحم
روايات الألم تعكس حجم المأساة الإنسانية، إذ تقول إيمان الرقب 42 عاماً، وهي أم لخمسة أطفال، النار تحت قدر صغير، “أطفالي نسوا شكل اللحم الطازج ورائحته، وسعر الكيلو الواحد اليوم يعادل دخل عائلة بأكملها لأسابيع إن وجد أصلاً”.
وتضيف “أنها لا تتذكر العيد ولا تكترث له، خاصة عيد الأضحى، معللة بالقول “في عيد الفطر الأخير شعرنا ببعض الفرح، لكن هذا العيد للحم، ونحن لم نرى أضحية من ثلاث سنوات”. حسب وكالة صفا.
أبو شاب: أولادي يتضورون جوعًا
وداخل خيمة مهترئة في مواصي خان يونس، جنوبي القطاع، يجلس النازح خالد أبو شاب، وعيناه مسمرتان على شاشة هاتف صغير، يتابع عبره تكبيرات العيد في بعض البلدان “ندخل العام الثالث ونحن لا نعرف طعم اللحم إلا لمام، وكل شعوب المسلمين يجهزون لحجهم وأضاحيهم”.
ويضيف “صرنا نفرح لأجواء الدول على المواقع، لكن في القلب غصة لا يعلمها إلا الله، بعد أن كنا في غزة قبل ثلاثة أعوام نستقبل هذه الأيام ببهجة، نشتري الأضحية ونجمع العائلة، اليوم أولادي يتضورون جوعاً في الخيام، وبدل أن نخطط لتوزيع الأضاحي، نبحث عن حطب لنطهو عليه بقوليات”.
فايزة: لا نيأس من رحمة الله
أما فايزة سرحان، فتقارن غزة بحال الدول، وتقول “نرى على الإنترنت كيف تزدحم الأسواق في الدول العربية بالمواشي، وكيف تشغل النساء التكبيرات، بينما نعيش نحن حرب وغلاء”. حسب وكالة صفا.
ولكنها تؤكد أن “العشر الأوائل من ذي الحجة لها مكانة عظيمة في نفوسنا، وننتظرها لتقربنا إلى الله وتوسيع الرزق، ولا نيأس من رحمته”.
ووفقا لبرنامج الأغذية العالمي، فإن 1.6 مليون شخص في قطاع غزة، بنسبة 77% من إجمالي عدد السكان، يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بما يشمل أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف سيدة حامل ومرضع.
أكثر من مليوني فلسطيني سيستقبلون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي بلا أضاحي، في مشهد غير مسبوق يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلقتها الحرب والحصار. حسب وزارة الزراعة في غزة.
انهيار الإنتاج الحيواني في غزة
الحرب الإسرائيلية المتواصلة، منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تسببت بـ”تدمير ممنهج لقطاع الثروة الحيوانية، بعدما استهدفت مزارع الإنتاج الحيواني والحظائر والمنشآت البيطرية ومخازن الأعلاف بشكل مباشر”.
وتوضح الوزارة أن هذا الاستهداف المتعمّد تسبّب بنفوق أعداد كبيرة من المواشي، وانهيار شبه كامل لهذا القطاع الحيوي في غزة.
وكان قطاع غزة يستقبل سنوياً، قبل الحرب، من 10 إلى 20 ألف عجل، إضافة إلى ما بين 30 و40 ألف رأس من الأغنام لتلبية احتياجات موسم الأضاحي، أما اليوم فقد انعدمت عمليات الاستيراد بشكل كامل.
وتضيف الزراعة في هذا الصدد، أنه “وصل استيراد الأضاحي الحية إلى صفر، في ظل استمرار إغلاق المعابر، ومنع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية”.
وتشير إلى أن شحّ الأعلاف وارتفاع أسعار المتوفر منها تسببا في القضاء على ما تبقى من الثروة الحيوانية، وسط خسائر وصفتها الوزارة بالكارثية، تهدد بخروج مربي المواشي بالكامل من هذا القطاع.




