في توقيت مثقل بالتوترات الدولية والتقلبات الجيوسياسية، استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب خمسة رؤساء أفارقة في قمة مصغّرة في البيت الأبيض بين 9 و11 يوليو الجاري، في خطوة توحي بتوجه جديد في العلاقة الأميركية مع القارة السمراء، عنوانه العريض: التحول من منطق المساعدات إلى منطق التجارة والمصالح الصلبة. لم يُخف ترامب طموحه في إعادة صياغة الحضور الأميركي في إفريقيا، مؤكدًا أن القارة تمتلك “إمكانات اقتصادية هائلة” يجب استغلالها “بشكل فعال ومستدام”، وفق تعبيره.
خلف هذا الخطاب الاقتصادي تكمن معادلة أمنية أشمل، تدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة تموضعها ضمن ما بات يُعرف بسياسة “القوة الصلبة”، وهي سياسة لا تفصل بين منطق السوق وأجندة الأمن القومي. في قلب هذا التموضع، تتخذ المواجهة مع الصين موقعًا مركزيًا، حيث تحاول واشنطن تحجيم نفوذ بكين الذي تمدد بهدوء خلال العقد الأخير في الموانئ الإفريقية والصفقات الكبرى، لا سيما في المناطق المطلة على الساحل الأطلسي.
اختيار الدول الخمس المدعوة – السنغال، الغابون، غينيا بيساو، ليبيريا، وموريتانيا – لم يكن عشوائيًا، بل خضع لحسابات دقيقة تتقاطع فيها اعتبارات الاستقرار السياسي والموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية. هذه دول تقع على شريط جغرافي واحد يمتد على المحيط الأطلسي، ما يمنحها أهمية متزايدة في الحسابات البحرية والعسكرية الأميركية، خصوصًا مع الحديث عن طموحات صينية لإقامة قواعد بحرية دائمة في المنطقة.
الرئيس الغابوني بريس كلوتير أوليغوي نغيما عبّر بوضوح عن المزاج الجديد السائد في عواصم إفريقية كثيرة، حين قال: “لسنا فقراء. نحن أغنياء بالموارد. نحتاج فقط إلى شركاء يعرفون كيف يستثمرونها. وإن لم تأتوا، سيأتي غيركم”. هي رسالة صريحة موجهة إلى واشنطن التي بدا أنها التقطت الإشارة، فأعادت ترتيب أولوياتها.
منذ مطلع هذا العام، نفذت إدارة ترامب إجراءات حاسمة على صعيد العلاقة مع القارة، بدأت بتقليص حاد في حجم المساعدات، مرّت بتفكيك وكالة التنمية الأميركية (USAID)، وانتهت بفرض قيود على السفر طالت أكثر من 20 دولة إفريقية. لم تكن هذه مؤشرات عابرة، بل خطوات تعكس فلسفة ترامب في الانسحاب من المنطق الإنساني التقليدي للسياسة الخارجية، لصالح مقاربة صفقات ومقايضات. حتى النبرة المتعالية التي استخدمها سابقًا حين وصف بعض الدول الإفريقية بـ”القذرة” في 2018 لم تتغير كثيرًا، وإن جاءت هذه المرة مغلفة بخطاب براغماتي جديد.
الاحتكاك مع بعض الزعماء الأفارقة خلال القمة لم يغب عن المشهد. ففي مشهد محرج، هنأ ترامب نظيره الليبيري جوزيف بواكاي على لغته الإنكليزية الجيدة، متسائلًا عن مصدر تعلمه لها، قبل أن يُذَكِّره بواكاي بأن ليبيريا أُسست من قبل عبيد مُحرَّرين من الولايات المتحدة. وفي مناسبة أخرى، وجّه ترامب اتهامات صريحة إلى الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا بارتكاب “إبادة جماعية بحق البيض”، مثيرًا بذلك توترًا ديبلوماسيًا مكتومًا.
رغم كل ذلك، لم يُظهر ترامب أي تردد في التأكيد أن إدارته تتعامل مع إفريقيا “بطريقة أفضل من الصين أو أي جهة أخرى”. لكن الحقيقة على الأرض تبدو أعقد من ذلك. الصين سبقت بخطوات واسعة، خصوصًا في خليج غينيا، المنطقة البحرية التي تمتد من ليبيريا إلى أنغولا، والتي أصبحت مركزًا استراتيجيًا لتجارة الطاقة والموارد المعدنية. أكثر من 70٪ من الموانئ الحديثة في تلك المنطقة تم تشييدها أو تمويلها صينيًا، بما فيها مرافئ حيوية مثل ميناء ليكي في نيجيريا وكريبي في الكاميرون، ضمن استثمارات تتجاوز 20 مليار دولار.
بالنسبة للولايات المتحدة، هذه المعطيات تشكل تهديدًا مباشرًا، لا من حيث الاقتصاد فحسب، بل أيضًا من زاوية الأمن البحري والتوازن العسكري. قائد “أفريكوم” الجنرال مايكل لانغلي عبّر عن القلق الأميركي من توسع الحضور الصيني، محذرًا من إقامة قواعد بحرية صينية قد تغيّر معادلة السيطرة البحرية في الساحل الأطلسي. وهو تحذير يتردد صداه داخل أروقة البنتاغون، ويدفع نحو تسريع الشراكات الانتقائية مع حكومات إفريقية وُصفت بأنها “قابلة للتموضع”.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك غينيا بيساو، حيث لا تزال البلاد تُدار بمرسوم منذ حل البرلمان أواخر 2023، دون تحديد موعد للانتخابات حتى نهاية 2025. كما أن الغابون بدورها شهدت انتقالًا مثيرًا للجدل بعد الإطاحة بالرئيس السابق علي بونغو، في ظروف لا تزال موضع شك قانوني. ورغم هذه الأوضاع غير المستقرة، تحظى هذه الدول بدعم أميركي مكثف، مدفوع برغبة في الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي.
الولايات المتحدة لا تخفي اهتمامها بالموارد التعدينية. الغابون، الغنية بالمنغنيز والبوتاس، وقّعت مؤخرًا اتفاقًا مع مؤسسة DFC الأميركية لتمويل مشروع منجم البوتاس في منطقة مايومبا، في خطوة تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. وتُقدّم هذه الشراكة كمثال على النموذج الجديد الذي تريده واشنطن: استثمار أميركي مقابل امتيازات استراتيجية وولاء سياسي في قضايا الأمن والهجرة.
لكن القمة لم تكن مجرد استعراض اقتصادي. الأمن البحري في خليج غينيا نال حيزًا مهمًا من النقاش، خصوصًا في ظل تصاعد أنشطة التهريب والقرصنة. كما طُرحت قضية الهجرة باعتبارها أحد الملفات الحساسة التي تحتاج إلى “شراكة جديدة تحترم الكرامة الإنسانية” وفق ما عبّر عنه مستشارو بعض الوفود الإفريقية.
ورغم كل هذا الزخم، تبقى القارة منقسمة حيال الموقف من واشنطن. مقارنة بقمة بايدن في 2022 التي جمعت 45 رئيس دولة، بدا الشكل المصغر لقمة ترامب وكأنه استدعاء مغلق لا دعوة إلى حوار شامل. غياب موقف إفريقي موحَّد قد يُفضي إلى اتفاقات ثنائية غير متكافئة، خاصة في ظل جدول أعمال أعدّته واشنطن مسبقًا.
لا تخلو الحسابات من تحديات داخلية أيضًا. فالرؤساء الخمسة الذين لبّوا دعوة البيت الأبيض يواجهون معادلات داخلية دقيقة، تتراوح بين أزمات شرعية، ومطالب شعبية متزايدة، وضغوط خارجية للتموضع في لعبة دولية تتغير بسرعة. ما بين المصالح والضغوط، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل بإمكان إفريقيا أن تفرض نفسها طرفًا سياديًا متكافئًا؟ أم أن سقفها الحقيقي سيظل محصورًا في دور الشريك الخاضع لمنطق الصفقات؟






