يُشكل استكمال سحب القوات العسكرية الأمريكية وقوات التحالف الدولي من القواعد العراقية بحلول موعد الثلاثين من سبتمبر ختاماً لمرحلة التدخل المباشر التي امتدت لأكثر من عقدين. وتنتقل واشنطن بموجب هذا التحول من نموذج “الانتشار البري المباشر” إلى استراتيجية “إدارة النفوذ عبر الإسناد الاستخباراتي والقدرات الممتدة”، مخلية الساحة الميدانية لبغداد للتعامل مع تعقيدات النفوذ الإيراني، ومبقيةً على عقدة ارتكاز إقليمية في الأردن لمراقبة تهديدات تنظيم “داعش”.
الهندسة الجديدة للوجود الأميركي: حماية الدبلوماسية والرقابة عن بُعد
الانكفاء النفعي وتقليص الأهداف: اكتمل خروج نحو 1500 جندي من أربيل وباقي المواقع، مع سحب بطاريات الدفاع الجوي “باتريوت” وتكثيفها حصراً لحماية البعثات الدبلوماسية في سفارة بغداد وقنصلية أربيل بوجود عناصر من مشاة البحرية (المارينز).
الأردن كقاعدة إعادة تمركز عابرة للحدود: تحول الثقل العسكري العملياتي لمكافحة الإرهاب إلى الأردن، لتستقر فيها القوات المنسحبة كمركز إقليمي يمتلك صلاحية التدخل “عبر الحدود” ضد خلايا تنظيم “داعش” في حال تجاوزها قدرات السيطرة العراقية والسورية.
الاعتماد على التفوق الاستخباراتي: تعوض واشنطن غيابها الميداني بالاحتفاظ بقدرات استطلاع واستخبارات متقدمة في المنطقة، تُتيح لها توجيه ضربات مركزة لحماية مصالحها وحلفائها دون الحاجة لتواجد عسكري ثقيل ومكشوف.
التكيف الإيراني: شبكات هجينة وتمديد المهلت الزمنية
تحول تكتيكات الحرس الثوري: طوّرت طهران استراتيجيتها الميدانية بالتزامن مع الانسحاب، عبر تفكيك المجموعات الكبرى والاعتماد على خلايا أمنية أصغر حجماً وتدريباً، لتقليل فرص الرصد والاستهداف واختراق أجهزة المراقبة الأجنبية.
تأجيل حسم ملف السلاح: كشف تمديد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لمهلة نزع سلاح الفصائل إلى يونيو 2027 عن صعوبة التفكيك الفوري لهذه الشبكات، رغم استجابة بعضها ورغبة بغداد في فرض حصرية السلاح بيد الدولة.
توظيف الخطاب الإعلامي للـ”المقاومة”: تُوظيف طهران الخروج الأميركي كـ”انتصار سياسي وعسكري لجبهة المقاومة”، بما يخدم تعزيز النفوذ الإيراني السياسي داخل الأجهزة الأمنية ومؤسسات القرار العراقي.
توازنات بغداد أمام اختبار السيادة الكاملة
مسؤولية ضبط السلاح والسيادة: تضع واشنطن الحكومة العراقية أمام التزام صريح بمنع استخدام أراضيها كمناطق انطلاق لهجمات ضد المصالح الإقليمية، مما يرفع كلفة التعايش السياسي بين بغداد والجماعات المسلحة.
التعامل مع تركة التدخل المباشر: يختتم هذا الانسحاب كلفة إنسانية ومادية باهظة خلّفت مئات الآلاف من الضحايا المدنيين منذ 2003، ليضع الدولة العراقية أمام حتمية بناء عقيدة دفاعية مستمرة تعتمد على إمكانياتها الذاتية.
معادلة الضغط المزدوج: تجد القيادة السياسية في العراق نفسها بين مطرقة الضغط الأميركي المشروط بتوفير حماية الملاحة والدبلوماسية، وسندان الضغط الإيراني المباشر لإحكام السيطرة على القرار الأمني والميداني.
تؤكد تفاصيل الانسحاب أن واشنطن لم تغادر العراق كلياً، بل أعادت صياغة وجودها وفق معادلة خفض الكلفة المباشرة وتفادي استنزاف قواتها؛ لتنتقل المواجهة من صدام عسكري مباشر على الأراضي العراقية إلى إدارة توازنات استخباراتية وسياسية تعتمد كلياً على قدرة بغداد في فرض سيادتها الوطنية وتجنب السقوط في الفراغ الجيوسياسي.






