أعلنت النائبة التقدمية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز موقفًا حاسمًا يتمثل في رفضها المطلق لأي تمويل عسكري لإسرائيل، بما في ذلك ما يُعرف بالأنظمة الدفاعية مثل القبة الحديدية. هذا التصريح لم يأتِ في سياق عابر، بل خلال اجتماع خاص مع فرع نيويورك لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، وهي من أبرز المنصات التي تعكس توجهات القاعدة التقدمية داخل الحزب الديمقراطي. وقد اعتبر مراقبون أن هذا الموقف يشكل تحولًا نوعيًا في خطاب أوكاسيو-كورتيز، ويعزز موقعها السياسي في وقت بدأ فيه اسمها يُتداول كمرشحة محتملة للانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2028.
تعهد صريح يغير قواعد اللعبة
وخلال اللقاء، أكدت النائبة بشكل صريح أنها لم تصوت يومًا لصالح تمويل إسرائيل، ولن تفعل ذلك مستقبلاً، مشددة على أن الحكومة الإسرائيلية ينبغي أن تتحمل مسؤولية تمويل تسليحها بنفسها. وعندما طُرح عليها سؤال مباشر بشأن التزامها بالتصويت ضد أي إنفاق عسكري لإسرائيل، بما في ذلك ما يُصنّف ضمن “القدرات الدفاعية”، أجابت دون تردد بالإيجاب، في موقف واضح لا يترك مجالاً للتأويل.
إرث من الجدل والانتقادات
هذا التعهد يأتي بعد سنوات من الجدل حول مواقفها السابقة، حيث تعرضت لانتقادات من نشطاء مؤيدين للفلسطينيين بسبب تصويتها بـ“حاضر” عام 2021 على حزمة تمويل القبة الحديدية، وهو ما اعتُبر آنذاك تراجعًا عن مبادئ التيار التقدمي. كما أثارت غضبًا إضافيًا في عام 2024 عندما دعمت قرارًا يتبنى تعريفًا لمعاداة السامية يرى منتقدوه أنه يخلط بين انتقاد سياسات إسرائيل ومعاداة اليهود. ورغم ذلك، حاولت لاحقًا إعادة التوازن لمواقفها من خلال التصويت ضد مشروع قانون دفاعي شامل تضمن تمويلًا لأسلحة هجومية لإسرائيل، ما عكس حالة من التردد بين الضغوط السياسية والالتزام الأيديولوجي.
تقاطع مع التيار التقدمي وصدام مع التقليديين
وتتقاطع مواقف أوكاسيو-كورتيز الحالية مع توجهات شخصيات بارزة في الجناح التقدمي مثل رشيدة طليب وإلهان عمر، غير أن ما يميز موقفها هذه المرة هو وضوحه وشموليته، إذ لم تكتفِ بانتقاد سياسات محددة، بل أعلنت رفضًا كاملاً لأي تمويل عسكري. في المقابل، يبرز اختلاف واضح بينها وبين شخصيات ديمقراطية تقليدية مثل حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم ونائبة الرئيس كامالا هاريس، اللذين لا يزالان يتبنيان مواقف أكثر حذرًا تجاه مسألة تسليح إسرائيل.
تبدل المزاج الأمريكي
ويأتي هذا التحول في سياق أوسع يشهد تغيرًا تدريجيًا في الرأي العام الأمريكي، حيث أظهرت استطلاعات حديثة أن نسبة الأمريكيين الذين ينظرون إلى إسرائيل بشكل سلبي أصبحت تفوق أولئك الذين يحملون نظرة إيجابية، مقارنة بعام 2023 حين كانت الكفة تميل لصالح الدعم. ويعكس ذلك تحولًا في أولويات الناخب الأمريكي، خاصة لدى الفئات الشابة.
أبعاد اقتصادية وسياسية أعمق
ويرى محللون أن هذا التغير لا يرتبط فقط بالاعتبارات السياسية، بل يتقاطع أيضًا مع مخاوف اقتصادية متزايدة، في ظل التوترات الإقليمية وتكاليف الحروب، بما في ذلك التصعيد المرتبط بإيران، والذي يثير قلقًا من تداعيات اقتصادية قد تصل إلى حد الركود.
نحو إعادة تشكيل المشهد الديمقراطي
في هذا السياق، أشار بعض المراقبين إلى أن تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة قد ينعكس على مواقف السياسيين، خصوصًا أولئك الذين يسعون إلى تمثيل القاعدة الشابة والتقدمية. كما اعتُبر موقف أوكاسيو-كورتيز مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة داخل الحزب الديمقراطي، قد تُعاد فيها صياغة أولويات السياسة الخارجية بما يتماشى مع مطالب القاعدة الانتخابية.
طموح رئاسي وخطاب جديد
في المحصلة، لا يمكن قراءة تصريحات أوكاسيو-كورتيز بمعزل عن طموحاتها السياسية، فهي لا تعبر فقط عن موقف مبدئي، بل عن رؤية تسعى من خلالها إلى إعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وربط السياسة الخارجية بقضايا العدالة وحقوق الإنسان. وبينما يستمر الجدل داخل الحزب الديمقراطي، يبدو أن صوت التيار التقدمي يزداد حضورًا وتأثيرًا، ما قد يجعل من هذه المواقف معيارًا جديدًا لتقييم القيادات السياسية في المرحلة المقبلة.




