تشير التطورات الأخيرة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية إلى مرحلة جديدة من التصعيد السياسي الذي يهدد بإحداث تحولات جوهرية في المشهد الفلسطيني – الإسرائيلي، خاصة في الضفة الغربية. فقد باتت حكومة بنيامين نتنياهو تتجه إلى فرض عقوبات مشددة على السلطة الفلسطينية، في إطار الرد على موجة الاعترافات الدولية المتوقعة بالدولة الفلسطينية خلال الشهر المقبل.
هذه العقوبات تشمل خطوات ذات طابع استراتيجي، أبرزها الدفع بمشروع «إي 1» الذي يربط القدس بمستوطنة معاليه أدوميم ويقسم الضفة الغربية فعلياً إلى نصفين، إضافة إلى مخططات إخلاء الخان الأحمر، ومصادرة أموال فلسطينية جديدة، والمضي في مشروع «إمارة الخليل» الذي يهدف إلى فصل المدينة عن باقي الضفة عبر تمكين العشائر المحلية على حساب السلطة.
مشروع إمارة الخليل
يبدو أن هذا التحول يعكس قناعة متزايدة داخل اليمين الإسرائيلي بضرورة استثمار اللحظة السياسية الراهنة لفرض وقائع جديدة على الأرض. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وصف مشروع «إي 1» بأنه تاريخي، مؤكداً أنه يبدد وهم الدولة الفلسطينية ويعزز سيطرة إسرائيل على ما تسميه «يهودا والسامرة». كما أن النقاشات داخل الكابينت لا تقتصر على الضم الرمزي أو القانوني، بل تمتد إلى خطوات عملية قد تغير جذرياً طبيعة العلاقة بين الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية. فمشروع «إمارة الخليل»، الذي يقوده وزير الاقتصاد نير بركات من خلال لقاءات متكررة مع وجهاء محليين، يكشف عن محاولة لإعادة هندسة البنية السياسية الفلسطينية وتحويلها إلى كيانات مجزأة قابلة للسيطرة، في إطار استراتيجية “تفكيك المجتمع الفلسطيني” التي تهدف إلى إلغاء أي إمكانية لتبلور دولة موحدة.
هذه الخطوات المتوقعة لا تأتي بمعزل عن السياق الدولي، بل على العكس، فهي ترتبط مباشرة بالتحركات الدبلوماسية المتصاعدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية. فعدة دول غربية، منها أستراليا وكندا ونيوزيلندا وفنلندا ولوكسمبورغ والبرتغال، تستعد للانضمام إلى موجة الاعترافات خلال مؤتمر دعت إليه فرنسا والسعودية في الأمم المتحدة. ومن قبلها كانت دول أوروبية مثل إسبانيا وآيرلندا ومالطا والنرويج قد أعلنت بالفعل اعترافها، ما يرفع منسوب القلق الإسرائيلي من تزايد عزلة تل أبيب على الساحة الدولية. رد الفعل الإسرائيلي يبدو إذن بمثابة محاولة استباقية لإجهاض هذه الدينامية الدولية عبر فرض سيادة على الأرض تجعل من الدولة الفلسطينية مجرد شعار سياسي بلا ترجمة واقعية.
انحياز أمريكي لإسرائيل
في المقابل، يواجه الفلسطينيون تحديات مضاعفة، ليس فقط من الإجراءات الإسرائيلية، بل أيضاً من القرار الأميركي الأخير بسحب تأشيرات دخول أعضاء البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة، بمن فيهم الرئيس محمود عباس، قبل انعقاد الجمعية العامة الشهر المقبل. هذا القرار أثار غضباً أوروبياً واضحاً، عبّرت عنه مواقف وزراء خارجية فرنسا وإسبانيا وآيرلندا ولوكسمبورغ، الذين رأوا فيه انتهاكاً لاتفاقية المقر الأممي وتقويضاً لدور الأمم المتحدة كمنصة حيادية للحوار.
بعض المسؤولين الأوروبيين لوّح حتى بإمكانية نقل الجلسة إلى جنيف، على غرار ما حدث عام 1988 حين مُنع ياسر عرفات من دخول نيويورك. هذه الأزمة تعكس التناقض الحاد بين الموقف الأميركي المنحاز لإسرائيل والاتجاه الأوروبي المتزايد نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية والدفاع عن شرعية تمثيلها في المحافل الدولية.
في الداخل الفلسطيني، بدت السلطة حازمة في رفض مشاريع مثل «إمارة الخليل». المحافظ خالد دودين أكد أن الخليل جزء أصيل من المشروع الوطني وأن أي محاولة لفصلها مصيرها الفشل. كما هددت السلطة بالتعامل بحزم مع أي طرف محلي قد يتعاون مع المخططات الإسرائيلية. هذا الموقف يعكس إدراكاً فلسطينياً لخطورة المرحلة، حيث لم تعد التهديدات محصورة في الاستيطان والاقتحامات اليومية، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة تفكيك الهوية الوطنية وإعادة تركيبها في شكل “إمارات” عشائرية، على نحو يعيد إلى الأذهان سياسات “الكانتونات” التي عُرفت في نماذج استعمارية أخرى.
انفجار احتجاجات فلسطينية
الجيش الإسرائيلي يستعد بدوره لتصعيد ميداني محتمل، مع إعلان خطط لدفع قوات احتياط إلى الضفة خلال شهر سبتمبر بالتزامن مع الأعياد اليهودية والاعترافات الدولية المتوقعة. هذا التحشيد يعكس خشية أمنية من انفجار احتجاجات فلسطينية واسعة أو تصعيد عمليات المقاومة في مواجهة الخطوات السياسية الإسرائيلية. جهاز الأمن الإسرائيلي نفسه يتوقع توتراً متزايداً، ما يعني أن الأوضاع قد تكون مقبلة على مرحلة اضطراب واسعة النطاق.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن المنطقة أمام مفترق حاسم. إسرائيل تسعى لتكريس واقع استعماري جديد عبر مشاريع الضم والتفتيت، فيما يراهن الفلسطينيون على موجة اعترافات دولية قد تمنح قضيتهم زخماً جديداً وتفرض ضغوطاً على تل أبيب وواشنطن. أما أوروبا، فهي تجد نفسها في موقع أكثر استقلالية نسبياً عن السياسة الأميركية، ما يفتح الباب أمام دور أكبر لها في الملف الفلسطيني. ومع ذلك، تبقى قدرة الفلسطينيين على استثمار هذه التحركات مرتبطة بمدى تماسكهم الداخلي ونجاحهم في مقاومة الضغوط الإسرائيلية التي تستهدف ضرب وحدتهم الوطنية.






