تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، التي أكد فيها أن “لا يمكن السماح للمرشد الإيراني خامنئي بالبقاء”، تعكس تصعيدًا غير مسبوق في لغة الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي تجاه طهران، وتتجاوز حدود الرد على هجوم عسكري إلى إعلان موقف عدائي وجودي ضد رأس النظام الإيراني.
هذا النوع من التصريحات لا يُفهم في سياق التكتيك العسكري المحدود، بل في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط وربما التحضير لمستوى جديد من المواجهة يتجاوز الضربات المتبادلة.
تهديد خامنئي
التوقيت الذي جاءت فيه التصريحات، أي بعد استهداف صاروخي إيراني طال مستشفى في جنوب إسرائيل، يمنحها بعدًا تعبويًا داخليًا، إذ تحاول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية توظيف لحظة الغضب الشعبي لتمرير مواقف أكثر تطرفًا تجاه إيران. التصريح يحمل دلالة واضحة على أن إسرائيل باتت تعتبر المواجهة مع طهران مواجهة مفتوحة وغير مقيدة بسقوف سياسية أو قانونية. وعليه، فإن التلميح إلى “عدم السماح لخامنئي بالبقاء” لا يعني فقط رغبة في إسقاط النظام الإيراني، بل في تجريد طهران من قدرتها على تشكيل تهديد استراتيجي في المستقبل.
كما أن هذه التصريحات تندرج ضمن سياسة الردع العنيف التي تبنّتها إسرائيل منذ بدء الحرب، وهي سياسة تقوم على إرسال رسائل واضحة لكل من يدعم إيران أو ينضوي ضمن محور الممانعة، مفادها أن تل أبيب مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى في تصفية خصومها، سواء عبر اغتيالات أو ضربات مباشرة.
تحوّل إيران إلى قوة نووية
على المستوى الدبلوماسي، تمثل تصريحات كاتس تحديًا للمجتمع الدولي الذي ما زال يتحرك ضمن أطر تفاوضية مع إيران حول برنامجها النووي. هذا التهديد العلني ضد قيادة دولة عضو في الأمم المتحدة يُحرج حلفاء إسرائيل الغربيين، خاصة الولايات المتحدة، التي تُفضل إبقاء مساحات للحوار وتخشى الانجرار إلى مواجهة إقليمية شاملة.
كما تعكس هذه التصريحات أيضًا حجم القلق الإسرائيلي الحقيقي من تحوّل إيران إلى قوة نووية، أو حتى قوة ردع تقليدية قادرة على توجيه ضربات فعالة ومؤلمة كما حدث مؤخرًا. الهجمات الإيرانية الأخيرة، التي وصلت إلى عمق المدن الإسرائيلية وتسببت في سقوط ضحايا وأضرار واسعة، ضربت أحد أهم أعمدة العقيدة الأمنية الإسرائيلية: التفوق الكامل في ساحة المعركة وعدم السماح بإيصال المعركة إلى الداخل.
خطوات تصعيدية
من ناحية أخرى، فإن التصريح قد يكون أيضًا محاولة لجرّ إيران إلى ردود أكثر حدة تُبرر خطوات تصعيدية لاحقة من الجانب الإسرائيلي، وربما تفتح الباب أمام تحالفات إقليمية ودولية تبرر عملاً عسكريًا أوسع.
تأتي تصريحات يسرائيل كاتس كمؤشر واضح على انتقال إسرائيل من استراتيجية “الاحتواء” إلى “الإلغاء”، ومن الرد المحدود إلى تبني خطاب أقرب إلى الحرب الشاملة. وهذا الخطاب، إذا تُرجم إلى قرارات عملياتية، قد يكون تمهيدًا لأطول وأخطر مواجهة مباشرة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر.






