تتواصل معاناة التعليم في الأغوار الفلسطينية الشمالية مع استمرار سياسة الاحتلال الإسرائيلي القائمة على تعطيل الحياة اليومية للفلسطينيين عبر الحواجز العسكرية، التي تحولت إلى أدوات ضغط شاملة تطال مختلف القطاعات، وفي مقدمتها التعليم.
تشديد الإجراءات
ففي صباح اليوم الاثنين، وجد عشرات المعلمين أنفسهم عالقين منذ ساعات الفجر عند حاجزي الحمرا وتياسير، بانتظار سماح جنود الاحتلال لهم بالعبور إلى مدارسهم. هذا المشهد يتكرر بصورة شبه يومية، ليتحول إلى عائق ممنهج أمام سير العملية التعليمية، ما ينعكس مباشرة على الطلاب، خاصة في المضارب البدوية التي تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية والخدمات التعليمية.
المشهد أكثر قسوة حين نرى الطلبة أنفسهم واقفين على الطرقات الرئيسية، ينتظرون حافلات لم تصل بسبب إغلاق الحواجز وتشديد الإجراءات، وكأن الاحتلال يتعمد أن يحرم الأطفال من حقهم الأساسي في التعلم، في منطقة تُعَدّ من الأشد استهدافًا بسياسة الاستيطان والتهجير. الأغوار، التي تشكل عمقًا استراتيجيا لفلسطين وسلة غذائها، باتت ساحة اختبار لسياسات الاحتلال الرامية إلى دفع السكان نحو الرحيل عبر التضييق اليومي، وهو ما يفسر استهداف المعلمين وعرقلة وصول الحافلات.
تعطيل التعليم
الأرقام التي كشفتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حول الحواجز تعطي صورة أوسع: 898 حاجزًا وبوابة حديدية تنتشر في الضفة الغربية، منها 18 بوابة جديدة فقط منذ مطلع 2025، و146 بوابة نصبت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. هذه الأرقام تعكس تصاعدًا واضحًا في نهج الاحتلال القائم على عزل المناطق وتفتيت أوصالها، بما يحوّل التنقل داخل الضفة إلى مهمة شبه مستحيلة. وفي هذا السياق، يبدو أن تعطيل التعليم في الأغوار ليس مجرد إجراء أمني مؤقت، بل جزء من سياسة طويلة الأمد تستهدف ضرب الاستقرار المجتمعي وتقويض صمود السكان في منطقة يُخطط الاحتلال لضمها فعليًا.
إن استمرار هذه السياسات يضع العملية التعليمية في دائرة الخطر، ليس فقط بحرمان الطلاب من الوصول إلى مدارسهم يومًا بعد يوم، بل بإضعاف ثقة الأهالي بجدوى التعليم في ظل ظروف الإغلاق والقهر. وفي المقابل، يعكس صمود المعلمين وإصرارهم على الانتظار عند الحواجز لساعات استعدادهم لمواجهة هذه السياسات، في مشهد يختصر إرادة الفلسطيني في مواجهة الاحتلال بأبسط صورها: التمسك بحق التعلم كفعل مقاومة يومي.




