لم تعد مواقف الممثلة الإيرانية إلناز شاكردوست، التي أعلنت رفضها المشاركة في الفعاليات السينمائية بعد مقتل متظاهرين خلال حملة القمع في إيران، مجرد تعبير فني عن الحزن والغضب؛ فقد تحولت، وفق منظمات حقوقية إيرانية في الخارج، إلى قضية قضائية انتهت بتثبيت حكم بسجنها لمدة عام، إلى جانب منعها من ممارسة أي نشاط سياسي أو فني أو عبر الإنترنت لمدة عامين.
ويعيد الحكم تسليط الضوء على العلاقة المتوترة بين السلطات الإيرانية وشخصيات عامة اختارت التعبير علناً عن مواقفها من الاحتجاجات، كما يطرح تساؤلات بشأن المساحة المتاحة للفنانين للتعبير عن آرائهم في مرحلة تشهد البلاد فيها تداعيات سياسية وحقوقية واسعة.
وبحسب وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان «هرانا» وقناة «امتداد» المستقلة، فقد أيدت محكمة الاستئناف الحكم الصادر بحق شاكردوست. ولم يُعلن، وفق المعلومات المتاحة، موعد صدور الحكم الابتدائي أو قرار الاستئناف، كما لم يتضح ما إذا كانت الممثلة قد بدأت تنفيذ العقوبة.
منشور على «إنستغرام» يقود إلى حكم بالسجن
بحسب محامي شاكردوست، هوشنغ بوربابايي، فإن القضية ترتبط بمنشور قصير نشرته الممثلة عبر خاصية القصص على «إنستغرام»، عبّرت فيه عن حزنها على الذين قُتلوا خلال احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026. وقال المحامي إن المنشور لم يتضمن دعوة إلى تحرك جماعي أو إشارة إلى مؤسسات الحكم، لكنه أدى إلى إدانتها بتهمة «الدعاية ضد النظام».
وصدر الحكم الابتدائي عن الفرع 23 من محكمة الثورة في طهران، قبل أن يؤيده الفرع 36 من محكمة الاستئناف في محافظة طهران. وإلى جانب السجن لمدة عام، فرضت المحكمة حرماناً لمدة عامين من الأنشطة السياسية والفنية والافتراضية، وهي قيود تمسّ قدرتها على مواصلة عملها الفني والتواصل مع جمهورها عبر الإنترنت.
وقال محاميها إن فريق الدفاع سيواصل المسار القانوني للطعن في الحكم أمام المحكمة العليا. ولم يصدر، وفق التقارير المنشورة، تعليق رسمي مفصل من السلطات الإيرانية يوضح الأساس الذي استندت إليه في اعتبار المنشور مخالفة تستوجب هذه العقوبات.
«أرض تفوح منها رائحة الدم».. موقف علني من مهرجان فجر
برز موقف شاكردوست إلى العلن في شباط/فبراير، بعد أسابيع من الاحتجاجات التي شهدتها إيران. ففي منشور على «إنستغرام»، رفضت المشاركة في مهرجان فجر السينمائي السنوي، الذي يُقام في طهران، وقالت إنها لا تستطيع الاحتفال في وقت لا تزال فيه البلاد تعيش آثار مقتل متظاهرين.
وكتبت الممثلة أنها تبكي «إخوانها» الذين فقدوا حياتهم، معلنة أنها لن تشارك في الاحتفالات أو تؤدي أدواراً جديدة في بلد وصفته بأنه «تفوح منه رائحة الدم». وعكست رسالتها موقفاً يتجاوز الامتناع عن المشاركة في مناسبة فنية، إذ ربطت بين استمرار النشاط الثقافي وضرورة الاعتراف بالمأساة التي خلّفتها الاحتجاجات.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها شاكردوست موقفاً علنياً من قضية اجتماعية مثيرة للجدل. ففي عام 2021، نددت بمقتل شاب على يد أفراد من عائلته في جنوب غربي إيران بسبب ميوله الجنسية، وأثار منشورها آنذاك ردود فعل غاضبة في أوساط محافظة، قبل أن تأمر السلطات بحذفه، وفق ما ورد في التقارير المتداولة عن الواقعة.
احتجاجات بدأت من غلاء المعيشة واتسعت سياسياً
اندلعت الاحتجاجات أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، قبل أن تتسع لتتحول إلى تحرك مناهض للحكومة، بلغ ذروته في الثامن والتاسع من كانون الثاني/يناير 2026.
وتتباين الروايات بشأن حصيلة القتلى ومسؤولية الأطراف عن أعمال العنف. فقد تحدثت منظمات حقوقية عن سقوط آلاف القتلى خلال حملة القمع، فيما أقرت السلطات الإيرانية بمقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وعزت أعمال العنف إلى ما وصفته بأنشطة إرهابية تقف وراءها الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذه روايات متباينة بشأن أحداث لا تزال حصيلتها الكاملة موضع خلاف.
وفي هذا السياق، لم تقتصر تداعيات الاحتجاجات على المعتقلين والمشاركين فيها، بل امتدت إلى شخصيات فنية وثقافية عبّرت عن الحزن على الضحايا أو رفضت المشاركة في فعاليات رسمية. ويضع الحكم الصادر بحق شاكردوست التعبير على منصات التواصل الاجتماعي في قلب المواجهة بين السلطات وبعض الأصوات العامة، حتى عندما يصف الدفاع مضمون المنشور بأنه تعبير عن التعاطف والحزن لا دعوة إلى الاحتجاج.
ما الذي يعنيه الحكم لمستقبل الفنانين في إيران؟
تتمثل أهمية القضية في الجمع بين عقوبة السجن والحرمان من النشاط الفني والسياسي والرقمي. فالعقوبة، وفق ما أعلنه محامي الممثلة، لا تتعلق فقط بحرمانها من الحرية لمدة عام، بل تمتد إلى المجال الذي تعمل فيه وإلى المنصات التي تستخدمها للتواصل مع الجمهور.
وبالنسبة إلى فنانة شاركت في أكثر من خمسين فيلماً على مدى عقدين، فإن القيود المفروضة عليها قد تكون لها آثار مهنية تتجاوز مدة السجن نفسها، خصوصاً إذا استمرت القيود على النشاط الفني والافتراضي وفق منطوق الحكم.
لكن القضية لا تزال تحمل جانباً قانونياً مفتوحاً، إذ أعلن محامي شاكردوست عزمه مواصلة الطعن أمام المحكمة العليا. وحتى تتضح نتيجة هذه الخطوة، يبقى الحكم الاستئنافي قائماً بحسب التقارير المنشورة.
في المحصلة، تكشف قضية إلناز شاكردوست عن الثمن القانوني الذي قد يواجهه فنانون في إيران عندما يتخذون مواقف علنية مرتبطة بالاحتجاجات والضحايا. كما تطرح سؤالاً يتجاوز مصير ممثلة واحدة: أين ينتهي التعبير الشخصي عن الحزن، وأين تبدأ السلطات في اعتباره نشاطاً يعاقب عليه القانون؟






