كشفت السلطات الإيرانية، للمرة الأولى، عن حصيلة رسمية لضحايا موجة الاحتجاجات الأخيرة، معلنة سقوط 3117 قتيلاً، في وقت صعد فيه وزير الخارجية عباس عراقجي لهجته تجاه الولايات المتحدة، محذراً من انزلاق المنطقة إلى صراع شامل في حال اندلاع مواجهة جديدة مع طهران.
تصاعد الضغوط الدولية
وجاء الإعلان الرسمي وسط تصاعد الضغوط الدولية، واستمرار الجدل حول الأرقام الحقيقية للضحايا، في ظل تضارب الروايات بين الجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية، واستمرار الاعتقالات وقطع الإنترنت عن مناطق واسعة من البلاد.
وحذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات وتصعيد غير مسبوق، من أن أي هجوم جديد على إيران سيقابل بـ«رد شامل وبكامل القدرات»، مؤكداً أن أي مواجهة مقبلة «لن تكون محدودة أو قصيرة»، بل ستتجاوز حدود إيران لتطال المنطقة بأكملها.
وقال عراقجي إن بلاده، التي أظهرت ما وصفه بـ«ضبط النفس» خلال حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل في يونيو/ حزيران، لن تتردد هذه المرة في استخدام كامل قوتها العسكرية إذا فُرض عليها الصدام، معتبراً أن تجاهل تداعيات ذلك «مقامرة خطيرة» تمس أمن الطاقة والاقتصاد العالمي والملاحة الدولية.
تحذير مباشر لواشنطن
ورغم لهجته التحذيرية، أبقى الوزير الإيراني باب الدبلوماسية موارباً، مشيراً إلى أن الحوار لا يزال خياراً قائماً إذا تعاملت واشنطن مع طهران «باحترام»، في خطاب جمع بين التهديد والتهدئة.
وأعلن التلفزيون الإيراني أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصاً، موضحاً أن 2427 منهم صُنّفوا ضمن «الشهداء»، وبينهم عناصر من قوات الأمن، باعتبارهم ضحايا «أبرياء»، في حين جرى تصنيف 690 قتيلاً ضمن «الإرهابيين ومثيري الشغب» وفق الرواية الرسمية.
وقال أمين لجنة الأمن بوزارة الداخلية علي أكبر بورجمشيديان إن هؤلاء «هاجموا مواقع عسكرية وأمنية»، مؤكداً أن الدولة «استعادت السيطرة» بعد أقل من 72 ساعة من اندلاع الاضطرابات العنيفة.
أرقام متضاربة وتشكيك حقوقي
وفي المقابل، شككت منظمات حقوقية في الأرقام الرسمية، إذ ذكرت منظمة نشطاء حقوق الإنسان الإيرانيين (هرانا) أن عدد القتلى المؤكدين تجاوز 4500 شخص، بينما لا تزال آلاف الحالات قيد التحقيق، ووصفت الحصيلة بأنها الأعلى منذ عقود.
كما أشارت تقارير لمنظمات حقوقية أخرى إلى احتمال تجاوز عدد الضحايا عشرين ألف قتيل، معتبرة ما جرى من «أكبر موجات القمع الدامي بحق المتظاهرين في العصر الحديث»، مع تسجيل اعتقال نحو 26 ألف شخص في مختلف المحافظات.
اتهامات بانتهاك ضد المتظاهرين
وتحدثت تقارير طبية وتحليلية صادرة عن أطباء ومتخصصين خارج إيران عن أدلة تشير إلى استهداف محتجين جرحى أثناء تلقيهم العلاج، أو تركهم دون رعاية طبية، في انتهاك واضح لمبدأ حياد الطب.
وأشارت هذه التقارير إلى وجود مؤشرات على إطلاق نار مباشر، وعمليات نقل جماعي للجثث، وعلامات عنف جسدي شديد، ما يعزز الدعوات إلى فتح تحقيق دولي مستقل.
وفي المقابل، كثفت السلطات الإيرانية عرض روايتها للأحداث، حيث وصف رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي أرقام المنظمات الحقوقية بـ«غير الواقعية»، متعهداً بنشر بيانات «أدق» لاحقاً، ومؤكداً عدم التساهل مع من وصفهم بـ«المتورطين في القتل والتخريب».
وأعلنت الشرطة والأجهزة الأمنية استمرار العمليات ضد قادة الاحتجاجات، فيما بث التلفزيون الرسمي جولات ميدانية لسفراء وصحافيين أجانب في مواقع الأضرار بطهران، شملت مباني حكومية، ومساجد، وحافلات محترقة، في محاولة لتدعيم الرواية الرسمية.
حالة حداد جماعي
وعلى الأرض، نقل صحافيون إيرانيون صورة قاتمة للوضع، متحدثين عن «حالة حداد جماعي» وصدمة عميقة في المجتمع، في ظل انقطاع الإنترنت لساعات طويلة يومياً، وصعوبة توثيق أعداد القتلى والمعتقلين.
ودعا نشطاء بارزون، بينهم الحائزة على جائزة نوبل للسلام نرجس محمدي، المجتمع الدولي إلى الضغط على طهران لوقف الانتهاكات، وإلغاء أحكام الإعدام، وإعادة الإنترنت، وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة.
جدير بالذكر أن إيران تعيش منذ أواخر ديسمبر/ كانون الأول واحدة من أعنف موجات الاضطرابات في تاريخها الحديث، بعدما اندلعت احتجاجات واسعة على خلفية الأزمة الاقتصادية وتراجع الأوضاع المعيشية، قبل أن تتطور سريعاً إلى حراك سياسي مباشر ضد النظام.
واتسعت رقعة التظاهرات لتشمل العاصمة طهران وعدداً كبيراً من المحافظات، ما دفع السلطات إلى إطلاق حملة أمنية واسعة لوأدها.
وشهدت البلاد خلال الأسابيع الماضية سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وسط تضارب حاد في الأرقام بين الرواية الرسمية والتقديرات الصادرة عن منظمات حقوقية محلية ودولية، في ظل قيود مشددة على الإنترنت ووسائل الإعلام.
كما رافقت الحملة الأمنية موجة اعتقالات واسعة طالت آلاف المتظاهرين ونشطاء وصحافيين، ما أثار انتقادات دولية ودعوات متكررة للتحقيق والمساءلة.
وبالتوازي مع التصعيد الداخلي، تصاعد التوتر الخارجي بين طهران وواشنطن، حيث تبادلت العاصمتان التهديدات والتحذيرات، وسط مخاوف من انزلاق المواجهة إلى صراع إقليمي واسع.




