يُعد اضطراب الشخصية الحدية (BPD) من الحالات النفسية الأكثر تعقيداً وجدلاً، فهو يجمع تناقضات حادة: بين العاطفة الجياشة والرغبة العميقة في القرب، والخوف الشديد من الهجران. يعيش المصاب بالشخصية الحدية صراعاً داخلياً مستمراً، حيث يتقلب مزاجه بسرعة شديدة بين التعلق والحب المفرط، والغضب أو الرفض المفاجئ، مما يهدد استقرار علاقاته بشكل دائم. وتشير الدراسات إلى أن هذا الاضطراب، الذي يصيب نسبة لا بأس بها من البالغين، يتميز بعدم الاستقرار في المشاعر والصورة الذاتية والتفاعلات الاجتماعية.
العلاقات العاطفية في دوامة BPD
تُعتبر العلاقات بالنسبة للأشخاص المصابين باضطراب الشخصية الحدية ساحة معركة لا تنتهي. فهم يبحثون بشدة عن الحب والقبول، لكن الخوف من الهجر يدفعهم إلى سلوكيات متناقضة تدمر ما يسعون إليه. تبدأ العلاقة عادة بمرحلة المثالية المفرطة، حيث يُنظر إلى الشريك وكأنه ملاك بلا عيوب. وعند أول خلاف أو إحباط بسيط، ينقلب هذا الحب إلى غضب جامح ورفض حاد، في عملية تُعرف بـ”الانقسام” العاطفي.

هذا التقلب العاطفي يؤدي إلى الغيرة المفرطة وفقدان الثقة، حيث يتم تفسير أي تأخير أو غياب للشريك كإشارة إلى التخلي عنه. ويرافق ذلك سلوكيات اندفاعية وقرارات سريعة ومتقلبة تفقد العلاقة توازنها، وقد يلجأ البعض إلى التلاعب العاطفي أو التهديد بالإيذاء الذاتي كطريقة يائسة لاستعادة انتباه الشريك والحصول على التأكيد.
العلاج النفسي: مفتاح التوازن والاستقرار
رغم صعوبة العيش مع الشخصية الحدية سواء للمصاب أو لمن حوله، إلا أن هناك أملاً كبيراً في العلاج. يُعد العلاج السلوكي الجدلي (DBT) الأكثر فعالية في مساعدة المصابين على تنظيم انفعالاتهم وتحسين جودة علاقاتهم. يهدف العلاج إلى تطوير مهارات التواصل وبناء آليات لتهدئة الذات والتعامل مع المشاعر المتطرفة.
إن اضطراب الشخصية الحدية هو شخصية تعيش بين شقيّ الحب والخوف، وبين الرغبة في الاقتراب والرهبة من الفقدان. لذا، فإن الفهم المبكر لطبيعة الاضطراب وطلب المساعدة المتخصصة هما الطريق لإنقاذ المصاب من دوامة مؤلمة قد تستنزف عاطفته وتؤذي ذاته ومن حوله، وبدء رحلة بناء علاقات أكثر توازناً واستقراراً.







