شهدت الدبلوماسية الدولية تحولاً كبيراً مع إعلان كندا وبريطانيا وأستراليا اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، في خطوة تسبق مؤتمرًا برعاية سعودية-فرنسية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذه القرارات لم تقتصر على الرمزية، إذ رفعت بريطانيا مستوى تمثيلها الدبلوماسي في القدس إلى مستوى سفارة، وأعلنت تبادل السفراء مع فلسطين، ما يعني إرساء معالم عملية جديدة على الأرض. فلسطين رحّبت باعتبارها خطوة “تاريخية”، فيما رأت إسرائيل أنها “مكافأة للإرهاب”، في وقت تعهّد فيه قادة اليمين الإسرائيلي بردود أكثر تشددًا مثل ضم الضفة الغربية وفرض السيادة الكاملة عليها.
جدلية الأسباب: حماس أم نتنياهو؟
يثور هنا سؤال جوهري: هل هذه الاعترافات نتيجة مباشرة لما حققته حركة حماس في تغيير معادلة الصراع، أم أنها نتاج خطأ استراتيجي إسرائيلي تمثل في تحويل الحرب إلى عملية إبادة جماعية علنية؟
حماس كعامل ضغط غير مباشر: لا شك أن الحرب التي أشعلتها العمليات المسلحة وجرأة حماس في المواجهة، وإن كلّفت الفلسطينيين أثمانًا باهظة، ساهمت في إبقاء القضية الفلسطينية على رأس الأجندة الدولية. وجود ملايين الصور والقصص عن المجاعة والدمار في غزة شكّل حاضنة ضغط شعبي عالمي، أجبر سياسيين غربيين على اتخاذ خطوات غير مألوفة.
إسرائيل والخطأ الاستراتيجي: لكن الوجه الآخر للجدلية يتمثل في حكومة نتنياهو نفسها. فالإفراط في استخدام القوة، وتوسيع الحرب إلى مستوى وصفته مؤسسات حقوقية بـ”الإبادة الجماعية”، جعل إسرائيل تفقد قدرتها على الدفاع عن نفسها أخلاقيًا أمام الرأي العام الغربي. بمعنى آخر، ربما لم يكن اعتراف بريطانيا أو كندا أو أستراليا ليتم لو بقيت الحرب في إطار “الصراع العسكري”، لا “التدمير الجماعي”.
ضغط شعبي يتجاوز حكومات مترددة
معظم الحكومات الغربية الكبرى — بما فيها واشنطن وبرلين — ما زالت ترفض الاعتراف الفوري بدولة فلسطينية، متمسكة بمسار مفاوضات لم يعد قائمًا منذ 2014. لكن ضغط الشارع، من جامعات ونقابات ومشاهير وأحزاب معارضة، أوجد بيئة سياسية يصعب تجاهلها. الاعترافات الأخيرة جاءت كتعبير عن تحوّل الرأي العام، وكمحاولة من هذه الحكومات لامتصاص السخط الداخلي وتخفيف الانتقادات الموجهة إليها.
التداعيات: بين الرمزية والتغيير العملي
لا تزال آثار هذه الاعترافات محصورة جزئيًا في الجانب الرمزي والدبلوماسي، لكنها تحمل إمكانات عملية: فتح سفارات، تعزيز مكانة فلسطين في الأمم المتحدة، وربما منحها أدوات قانونية لملاحقة الاحتلال. غير أن الخطر يكمن في رد الفعل الإسرائيلي، إذ يدعو قادة مثل إيتمار بن غفير وسموتريتش إلى ضم الضفة بشكل أحادي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تصعيد أكبر بدل تهدئة.
من المستفيد من هذه اللحظة؟
الجدل لا يزال قائمًا: هل الاعترافات انتصار “غير مباشر” لحماس لأنها أعادت الصراع إلى الواجهة، أم أنها نتيجة أخطاء إسرائيلية فادحة حولت التعاطف الغربي معها إلى نقمة دولية؟ في كل الأحوال، فلسطين حصدت مكاسب سياسية كبرى، لكن هذه المكاسب قد تظل رهينة الانقسام الداخلي من جهة، واستعداد إسرائيل لاستخدام المزيد من القوة الميدانية من جهة أخرى. والواقع أن هذا “اليوم التاريخي” قد يكون نقطة بداية لمرحلة جديدة، أكثر اشتباكًا، بين رمزية الاعتراف الدولي وحقيقة الاحتلال على الأرض.




