الاقتحامات المتكررة التي ينفذها المستوطنون الإسرائيليون لباحات المسجد الأقصى المبارك في القدس المحتلة، لم تعد مجرد حدث عابر أو فعل فردي تقوم به مجموعات متطرفة، بل باتت جزءًا من سياسة منهجية تهدف إلى تكريس واقع جديد في المسجد الأقصى، يقوم على فرض الوجود الاستيطاني والديني اليهودي داخل ساحاته تحت حماية مباشرة من شرطة الاحتلال. الاقتحام الذي وقع اليوم الثلاثاء، كما نقلت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، حيث دخل عشرات المستوطنين على شكل مجموعات وأدوا طقوسًا تلمودية في باحات المسجد، يعكس بوضوح استمرار هذه الاستراتيجية وتطورها.
تقسيم الأقصى
المشهد لا يمكن فصله عن التوقيت والسياق السياسي العام؛ فالاحتلال يسعى منذ سنوات إلى تقسيم الأقصى زمانيًا ومكانيًا، على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل. السماح للمستوطنين باقتحام المسجد في ساعات محددة من النهار، مقابل تقييد دخول الفلسطينيين، يمثل خطوة متقدمة على هذا الطريق، وهو ما يثير مخاوف الفلسطينيين والعالم الإسلامي من محاولات تغيير الوضع القائم تاريخيًا ودينيًا في الحرم القدسي الشريف.
اللافت أن هذه الاقتحامات تجري دائمًا تحت حماية مكثفة من شرطة الاحتلال، ما يحوّلها من مجرد سلوك جماعات متطرفة إلى سياسة دولة توفر الغطاء الأمني والسياسي لهذه الممارسات. وجود الشرطة لا يقتصر على الحماية، بل يمتد أحيانًا إلى التضييق على المصلين الفلسطينيين، واعتقال بعضهم، ومنع آخرين من الوصول إلى المسجد، ما يفتح الباب أمام شعور الفلسطينيين بأن هناك خطة لإفراغ الأقصى من رواده الأصليين وتسهيل السيطرة التدريجية عليه.
في المقابل، يرى الفلسطينيون أن هذه الاقتحامات تشكل استفزازًا متعمدًا لمشاعرهم الدينية والوطنية، وتندرج ضمن سياسة تهويد القدس التي تسعى إسرائيل إلى فرضها منذ سنوات عبر الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتغيير معالم المدينة. ويشير محللون فلسطينيون إلى أن استمرار هذه الاعتداءات من شأنه تأجيج الأوضاع في المدينة والضفة الغربية، خصوصًا في ظل حالة الاحتقان الراهنة.
انتهاكات منظمة
على المستوى الإقليمي والدولي، تحظى هذه القضية بقدر من الاهتمام، لكن دون أن يقترن ذلك بضغط فعلي يوقف الانتهاكات. مواقف التنديد الصادرة عن بعض الدول والمنظمات الدولية غالبًا ما تبقى في إطار بيانات الشجب، بينما يواصل الاحتلال فرض أمر واقع جديد. ويذهب بعض المراقبين إلى أن صمت المجتمع الدولي، بل وحتى انشغاله بأزمات أخرى، يمنح إسرائيل هامشًا أوسع لتصعيد اعتداءاتها على المسجد الأقصى.
الاقتحام الذي شهده المسجد الأقصى اليوم ليس حدثًا معزولًا، بل هو حلقة جديدة في مسلسل طويل من الانتهاكات المنظمة، يهدف إلى تغيير هوية المكان المقدس والسيطرة عليه سياسيًا ودينيًا. وإذا استمرت هذه السياسة دون ردع حقيقي، فإنها قد تدفع إلى انفجار جديد في الأراضي الفلسطينية، باعتبار أن الأقصى يشكل بالنسبة للفلسطينيين والعالم الإسلامي كله خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.




