تشير المعطيات السياسية في بغداد إلى أن «الإطار التنسيقي» الشيعي، الذي تشكّل في الأساس كجبهة موحدة لمواجهة خصومه، يسير بخطى متسارعة نحو التفكك.
مع اقتراب موعد الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر /تشرين الثاني المقبل، اختارت معظم قوى الإطار خوض المعركة بشكل منفرد، ما يعكس عمق الخلافات الداخلية وصعوبة التوافق على رؤية انتخابية موحدة، ويعكس هذا التوجه رغبة كل حزب أو تيار في تعزيز حصته البرلمانية بعيداً عن الحسابات المشتركة.
السوداني بين الولاية الثانية والانقسامات
الجدل الأبرز داخل الإطار يتمحور حول مستقبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي يسعى بوضوح للحصول على ولاية ثانية.
بينما ترى بعض القوى أن استمرار السوداني يضمن الاستقرار السياسي ويعزز حضور الإطار في السلطة، تخشى قوى أخرى من أن يؤدي التمديد له إلى تهميشها سياسياً وتقليص نفوذها داخل مؤسسات الدولة. هذا التباين بات أحد أبرز العوامل التي تهدد بتفجير وحدة الإطار من الداخل.
إيران الغائبة الحاضرة
على مدى السنوات الماضية، شكّلت طهران، عبر نفوذ «الحرس الثوري»، المرجعية الضابطة للخلافات بين القوى الشيعية العراقية. لكن التطورات الأخيرة، من ضربات إسرائيلية متكررة إلى ضغوط أميركية ودولية متصاعدة، جعلت إيران منشغلة بملفاتها الداخلية والإقليمية، وهو ما أضعف قدرتها على لعب دور الوسيط والحَكم بين أجنحة الإطار. هذا الانكفاء الإيراني يترك فراغاً استراتيجياً يزيد من حدة الانقسامات ويمنح القوى العراقية مساحة أوسع لتغليب مصالحها الضيقة.
وتتنافس قوى الإطار حالياً ليس فقط على مقاعد البرلمان، بل أيضاً على النفوذ داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية. فالتعيينات، العقود الحكومية، والسيطرة على موارد الدولة باتت ميداناً آخر للصراع.
وفي ظل غياب قيادة موحدة، أصبح من الصعب رسم خطوط واضحة تحدد النفوذ السياسي لكل طرف، الأمر الذي يفاقم التوتر ويفتح الباب أمام مزيد من التصدعات.
مستقبل غامض للتحالف
رغم محاولات بعض القيادات التمسك بخيوط الوحدة، يبدو أن «الإطار التنسيقي» يتجه نحو مرحلة من التآكل التدريجي، خاصة إذا أسفرت الانتخابات المقبلة عن نتائج متباينة تزيد من حدة التنافس.
وفي حال لم تتدخل قوى إقليمية أو محلية لإعادة اللحمة، فإن التحالف قد يواجه خطر «الانفراط الكامل»، ما سيعيد رسم الخريطة السياسية للبيت الشيعي العراقي ويترك الباب مفتوحاً أمام تحالفات جديدة غير متوقعة.
تناقضات انتخابية تهدد وحدة الإطار
يرى الخبير في الشأن العراقي حسن الجنابي أن قرار معظم قوى «الإطار التنسيقي» خوض الانتخابات المقبلة بشكل منفرد، يعكس أزمة ثقة متصاعدة بين مكوناته.
ويضيف أن غياب الاستراتيجية المشتركة يجعل كل طرف يسعى لتعظيم مكاسبه الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة التحالف.
السوداني بين الدعم والرفض
بحسب المحلل السياسي إبراهيم الشمري، فإن سعي رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لولاية ثانية يمثل اختباراً عسيراً للإطار، فبينما تعتبره بعض القوى «مرشح التوازن»، تنظر إليه أطراف أخرى باعتباره منافساً محتملاً يهدد نفوذها داخل السلطة. وهذا التضارب قد يدفع بعض الأجنحة إلى البحث عن تحالفات بديلة بعد الانتخابات.
يؤكد الباحث في الشؤون الإقليمية كرار العزاوي أن انشغال إيران بأزماتها الداخلية والإقليمية، وتعرضها لضغوط أميركية وإسرائيلية، أضعف قدرتها على إدارة الخلافات بين القوى الشيعية العراقية. هذا الغياب، بحسب العزاوي، يفتح الباب أمام تفكك التحالف، إذ لم تعد هناك جهة قادرة على فرض التوازن كما كان الحال في السنوات الماضية.
تنافس على النفوذ الاقتصادي
يشير الخبير الاقتصادي السياسي علي الساعدي إلى أن الصراع داخل الإطار لم يعد سياسياً فقط، بل تمدد إلى ملفات اقتصادية حساسة مثل العقود الحكومية والوزارات الخدمية.
ويرى أن هذا التنافس على الموارد سيؤدي إلى زيادة الانقسام، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات واضحة حول توزيع المناصب والمصالح.
سيناريوهات ما بعد الانتخابات
يرى المحلل فاضل الطائي أن مستقبل «الإطار التنسيقي» مرهون بنتائج الانتخابات المقبلة. فإذا حصلت إحدى القوى على تفوق ملحوظ، فقد تستقطب حلفاء جدد وتعيد تشكيل التحالف وفق شروطها.
أما في حال تساوت النتائج، فمن المرجح أن نشهد مزيداً من الانقسامات وربما ولادة تحالفات جديدة تعيد رسم المشهد السياسي الشيعي في العراق.







