في خضم محاولات بناء نموذج سياسي بديل عن النظام السوري الحالي، ومع بروز مؤشرات على تنظيم إداري أكثر انضباطًا في المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، تجد الدولة السورية الجديدة نفسها أمام تحديات لا تقتصر على العقبات الميدانية أو الدبلوماسية، بل تمتد إلى حرب إعلامية ممنهجة، لا هوادة فيها، تنقّب في تفاصيل الأشخاص وتضخّم الجزئيات لتحولها إلى أزمات.
أحدث مثال على هذه الموجة تمثل في الحملة التي اندلعت بعد مشاركة جمال الشرع، شقيق أحمد الشرع، الرئيس المؤقت للإدارة السورية الجديدة، في مناسبة اجتماعية استضافها شخص محسوب على نظام بشار الأسد. الحدث الذي لم يكن يحمل طابعًا رسميًا، ولم تُرفع فيه شعارات سياسية، تحوّل إلى مادة دسمة للانتقاد والتشكيك، سرعان ما تلقفها الإعلام المعادي ودوائر الضغط المرتبطة بالنظام.
الرد الصادر عن الرئاسة السورية المؤقتة كان واضحًا ومباشرًا: جمال الشرع لا يشغل أي صفة رسمية، ولا يتمتع بأي امتيازات وظيفية، ولا يُمثل الدولة السورية الجديدة بأي شكل. هذا التوضيح لم يكن مجرد رد فعل، بل كان محاولة لإخماد كرة ثلج إعلامية بدأت تتدحرج باتجاه التشكيك في صدقية رموز المرحلة الانتقالية.
لكن ما الذي يكشفه هذا الجدل فعليًا؟ أولًا، هناك تعطش إعلامي لإفشال أي تجربة سورية بديلة عن النظام القائم، حتى لو كانت هذه البدائل لا تزال في طور التشكّل. التضييق لا يطال فقط السياسات، بل يتسلل إلى العلاقات العائلية، والمناسبات الشخصية، وحتى الخلفيات الاجتماعية للفاعلين، في محاولة لترسيخ سردية مفادها أن “لا أحد نظيف”، وأن “الجميع في النهاية ينحدرون من النظام”، بما يعني ضمنيًا: لا جدوى من التغيير.
هذا النوع من التغطيات لا ينشأ من فراغ. خلفه عادة ما تكون منظومات إعلامية متكاملة، تُموّل بشكل مباشر أو غير مباشر من جهات مرتبطة بالنظام السوري أو بأنظمة إقليمية لا ترى في صعود إدارة جديدة في سوريا مصلحة استراتيجية لها. الأدوات المستخدمة تشمل منصات إعلامية ناطقة بالعربية، حسابات مؤثرة على وسائل التواصل، وحتى صحفيين يخترقون المؤسسات الثورية أنفسهم.
تبدو الفكرة بسيطة ولكنها فعّالة: بدل مهاجمة المشروع السياسي الجديد مباشرة، يتم ضربه من الداخل، عبر إثارة الشكوك حول نزاهة قادته أو أقاربهم، وتحويل كل تفصيل إلى “فضيحة مصغّرة”. هذه التقنية، التي تُستخدم عادة في الحروب النفسية، تخلق بيئة من التوجس والتشكيك، وتضعف الثقة العامة، حتى قبل أن تُتاح الفرصة الحقيقية لأي مشروع أن يُثبت ذاته.
في السياق السوري، حيث هشاشة المؤسسات وغياب المرجعيات الموحدة، يصبح هذا النوع من الضغط الإعلامي أشبه بحرب استنزاف صامتة، تضعف المبادرات من الداخل وتُربك الرأي العام.
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في تبعات هذه الحملات على صورة القيادة الجديدة، بل في خلق مناخ من الإحباط الشعبي، حيث تتحول كل محاولة إصلاح أو استقلال إلى مادة للسخرية والتفكيك، مما يعيد إنتاج فكرة “البديل مستحيل”، وهي الرسالة الأثيرة التي يروّج لها النظام منذ اندلاع الثورة في 2011.
وبينما تستمر المحاولات الجادة لتأسيس إدارة انتقالية تتجاوز عقلية الحكم الوراثي والمليشياوية، يبقى الرهان الأساسي على نضج الوعي العام، وعلى إعلام بديل لا يكتفي بالدفاع، بل يبادر بالكشف والتفنيد والتوضيح دون أن ينساق خلف منطق التبرير الدائم.
فالدولة التي تولد تحت القصف، تحتاج إلى خطاب لا يخجل من أخطائها، لكنه أيضًا لا يسمح للذباب الإلكتروني بأن يحوّل الهفوات الشخصية إلى خيانات كبرى.






