يشكّل التصعيد الأخير في محافظة صعدة شمالي اليمن، عبر الهجوم الواسع الذي شنّته جماعة الحوثي وأعلنه الجيش اليمني فجر الجمعة، نقطة تحول خطيرة في مسار الأزمة اليمنية، التي كانت قد شهدت خلال الأعوام الثلاثة الماضية حالة من الهدوء النسبي هي الأطول منذ اندلاع الحرب عام 2014. هذا الهدوء، وإن لم يكن سلاماً دائماً، وفر أرضية مؤقتة لجهود الوساطة الإقليمية والدولية، وأبقى على بصيص أمل بانتقال تدريجي نحو تسوية سياسية. غير أن التطورات الأخيرة تهدد بتقويض هذا المسار الهش.
انعدام الثقة وتبادل الاتهامات
محافظة صعدة، معقل الحوثيين التقليدي، لها رمزية بالغة في مشهد الحرب، كونها كانت منطلقاً لحربهم ضد الحكومة الشرعية والتحالف العربي. وتجدد المعارك فيها بعد فترة طويلة من الجمود العسكري، يعكس تغيراً في الحسابات الميدانية والاستراتيجية للطرفين. فبينما تشير تصريحات قائد محور علب اللواء ياسر مجلي إلى أن الهجوم الحوثي كان مباغتاً وواسع النطاق، فإن قدرة الجيش اليمني على التصدي له، وتنفيذ هجوم معاكس ناجح أوقع عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين، تشير إلى درجة عالية من الجاهزية العسكرية لدى القوات الحكومية، رغم محدودية الإمكانات والدعم مقارنة بسنوات التصعيد السابقة.
لكن ما يلفت في الرواية الحكومية ليس فقط حجم الخسائر البشرية والمادية، وإنما التوقيت والدلالة السياسية للهجوم. فالهجوم يأتي في ظل حالة من الجمود السياسي حول “خريطة الطريق” التي أعلن عنها المبعوث الأممي هانس غروندبرغ أواخر العام الماضي، والتي تضمنت وقفاً شاملاً لإطلاق النار وتدابير إنسانية واقتصادية. ومع فشل الأطراف في تنفيذ هذه الخريطة، بسبب انعدام الثقة وتبادل الاتهامات، فإن عودة المعارك تشكل رسالة واضحة بأن مسار التفاوض لم يعد أولوية بالنسبة لبعض القوى، وأن منطق الحسم العسكري قد عاد ليتقدم المشهد.
تحقيق مكاسب سياسية
ويبدو أن جماعة الحوثي، التي تسيطر على صنعاء وعدد من المحافظات شمالي البلاد، تحاول عبر هذا التصعيد إعادة فرض نفسها كلاعب ميداني يصعب تجاوزه، وربما الضغط باتجاه تحقيق مكاسب سياسية أو ميدانية قبيل أي استحقاقات تفاوضية مقبلة. لكن في المقابل، فإن الرد العنيف من قبل الجيش، والخسائر الفادحة التي أعلن عنها، قد تؤدي إلى توسيع رقعة الاشتباكات، خاصة إذا ما اتخذت المواجهات طابعاً انتقامياً متصاعداً في مناطق التماس.
كما أن هذا التصعيد يطرح تساؤلات حول مصير الوساطة الدولية، ومدى قدرة الأمم المتحدة على احتواء الموقف، في ظل عجز واضح عن ضمان تنفيذ الاتفاقات المعلنة، وغياب أي آلية رقابية ميدانية فعالة لضمان التزام الطرفين بوقف إطلاق النار. وهو ما يعني أن أي جولة تفاوض مقبلة قد تواجه صعوبات مضاعفة، في ظل بيئة أمنية متقلبة، وثقة متآكلة، وتدخلات إقليمية متشابكة.
مشهد معقد
إن الهجوم الحوثي في صعدة، وما تبعه من ردود فعل، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للصراع اليمني، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع المعطيات السياسية والاجتماعية، في مشهد معقد يبدو أقرب إلى دورة جديدة من المواجهة، لا إلى مرحلة انتقال نحو التسوية. وبينما يدفع المدنيون كلفة هذا التصعيد المتكرر، تبقى فرص السلام مرتبطة بمدى استعداد الأطراف المحلية والإقليمية والدولية لإعادة الاعتبار لخيار الحوار، وتجاوز حسابات الغلبة الميدانية التي لم تنتج طوال عقد سوى مزيد من الألم والانقسام.






