شهدت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، أمس الأربعاء، جولة عنف جديدة من الصراع الدامي بين الجيش السوداني المدعوم بقوات “القوات المشتركة” المتحالفة معه، وبين “قوات الدعم السريع”، في واحدة من أعنف محاولات الاقتحام التي عرفتها المدينة منذ بدء الحصار.
المواجهات التي اندلعت على المحورين الجنوبي الغربي والشمالي الغربي للمدينة، تحولت بعد نحو أربع ساعات من القتال المباشر إلى تبادل كثيف للقصف المدفعي، وفقاً لما أفادت به مصادر محلية. الجيش السوداني ومعه الحركات المسلحة الموقعة على “اتفاق جوبا للسلام” تمكّنوا من صد الهجوم باتجاه الجنوب، بينما استمر حشد قوات الدعم السريع شمالاً، في محاولة متكررة للضغط على دفاعات المدينة.
ضحايا مدنيون وسط القصف العشوائي
على الرغم من تراجع حدة المواجهات الميدانية المباشرة، إلا أن القصف المدفعي من قبل “الدعم السريع” استمر على الأحياء السكنية داخل الفاشر، ما أدى إلى مقتل أربع فتيات وطفل من أسرة واحدة في حي الوادي، إضافة إلى إصابات متعددة في صفوف المدنيين.
وفي بيان مقتضب، عبّرت “تنسيقية لجان المقاومة في الفاشر” عن صمودها في مواجهة الهجوم، معتبرة أن المدينة انتصرت مجدداً، ومجددة مطالبتها للجيش وحلفائه بفك الحصار المفروض على المدينة وفتح الطرق المؤدية إليها بالقوة العسكرية.
بالمقابل، أعلنت قوات “الدعم السريع” عبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي أنها تواصل التقدم “بثبات وتخطيط محكم”، ونشرت صوراً تظهر جنودها داخل مسجد سوق المواشي، في خطوة دعائية تهدف لإثبات التواجد الميداني داخل المدينة.
الفاشر بين الحصار والجوع
تعيش مدينة الفاشر منذ أكثر من عام تحت حصار خانق فرضته قوات “الدعم السريع”، ما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية، خاصة مع تدهور الأوضاع الغذائية والطبية داخل المدينة. وتزداد الأوضاع تعقيداً مع استمرار القصف، وتراجع الإمدادات، في ظل تجاهل دولي واضح لمعاناة السكان المحاصرين.
وفي تطور يزيد من معاناة سكان الإقليم، اجتاحت سيول غزيرة منطقة دار السلام خلال اليومين الماضيين، متسببة في تدمير أكثر من 124 منزلاً كلياً وجزئياً، ونزوح نحو 100 أسرة، ما أضاف بعداً مأساوياً جديداً للأزمة المتفاقمة.
عمليات تمشيط في شمال كردفان
بعيداً عن الفاشر، وفي شمال كردفان، نفذت وحدات من الجيش السوداني وقوات المخابرات حملة عسكرية في محيط مدينة الأبيض، استهدفت تمركزات لقوات الدعم السريع في المناطق الغربية والجنوبية للعاصمة. العملية أسفرت عن استعادة كمية من الأسلحة الثقيلة، بينها مدفعية كانت تستخدم في قصف المدينة، ونجحت كذلك في قطع خطوط إمداد رئيسية للمليشيات.
القوات النظامية تواصل عمليات التمشيط والتأمين لمحيط المدينة، في ظل تصاعد القلق الشعبي من هجمات الدعم السريع التي طالت قرى عدة في الإقليم، والتي صاحبتها انتهاكات موثقة ضد المدنيين.
مجازر شق النوم وود حامد: مطالبات بتحقيق دولي
في هذا السياق، طالب المرصد الحقوقي لمنظمة شباب دارفور (مشاد) بإجراء تحقيق دولي عاجل ومستقل تحت إشراف الأمم المتحدة في المجازر التي ارتكبتها “الدعم السريع” في قريتي شق النوم وود حامد شمال كردفان، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 319 مدنياً، بينهم 64 طفلاً دون سن الثامنة عشرة.
البيان الذي أصدره المرصد أدان ما وصفه بـ”المجازر الوحشية وجرائم الإبادة الجماعية”، مشيراً إلى أن مئات المدنيين تعرضوا لجروح، إضافة إلى انتهاكات جنسية بالغة القسوة طالت أكثر من عشر نساء. كما حمل البيان المجتمعين الإقليمي والدولي مسؤولية التواطؤ بالصمت، معتبراً أن ذلك يمثل تشجيعاً غير مباشر على ارتكاب المزيد من الجرائم.
تصعيد متبادل وسباق على التسليح
في مؤشر على اتساع نطاق الصراع وتداخل خطوط التحالفات، أعلن جقود مكوار، نائب رئيس “الحركة الشعبية – شمال” بقيادة عبد العزيز الحلو، أن حكومة “تأسيس” بدأت في استيراد أسلحة للدفاع الجوي، بعضها وصل بالفعل إلى دارفور، والبقية يجري الإعداد لنقلها إلى جنوب كردفان.
مكوار، وخلال حفل تخرج دفعة جديدة من المعلمين في جبال النوبة، أكد أن الاستهداف الجوي المتكرر للمدنيين يشكل تهديداً مباشراً للحياة اليومية، لافتاً إلى استمرار التنسيق العسكري بين الجيش الشعبي و”الدعم السريع” في مناطق الجنوب.
وفي الوقت ذاته، يواصل الطيران الحربي السوداني تنفيذ غاراته الجوية على تجمعات قوات الدعم السريع في مدينة بارا، وعلى محاور أخرى تمتد حتى المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا.
ضربات الشمس تهدد البحر الأحمر
في تطور مقلق على الصعيد الصحي، أعلنت وزارة الصحة السودانية عن تسجيل 13 إصابة بضربات الشمس في ولاية البحر الأحمر، توفيت منها حالتان. اللجنة الفنية للطوارئ الصحية أكدت أن موجة الحر الشديدة تمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة، خصوصاً في المناطق المكشوفة.
وشددت اللجنة على أهمية التوعية المجتمعية، وتطبيق إجراءات الوقاية، وعلى رأسها شرب كميات كافية من المياه وتجنب التعرض لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة. كما استعرضت اللجنة الوضع الوبائي في الولاية، وخطط الاستجابة خلال فصل الصيف.
مؤشرات اقتصادية: التضخم يتراجع
على الصعيد الاقتصادي، أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في السودان أن معدل التضخم واصل تراجعه، ليقترب من الدخول في خانة الرقمين، بعد أن انخفض بنسبة 113 في المئة خلال يونيو الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
البيان أوضح أن معدل التضخم في المناطق الحضرية انخفض إلى 105.7 في المئة، مقارنة بـ146.3 في المئة في مايو، بينما بلغ في المناطق الريفية 119.14 في المئة، مقارنة بـ141.84 في المئة في الشهر السابق.
أكبر تراجع سُجّل في مجموعة السكن والمياه والكهرباء والوقود بنسبة 66.33 في المئة، بينما تراجعت مجموعة الأغذية والمشروبات بنسبة 11.23 في المئة، والاتصالات بنسبة 54.4 في المئة، والمطاعم والفنادق بنسبة 38.4 في المئة، ما يعكس بداية تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية، رغم التحديات الأمنية والمعيشية المتصاعدة.





