بيان وزارة الخارجية الفلسطينية لمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني جاء محمّلاً برسائل سياسية وقانونية تعكس حجم المأساة المستمرة في قطاع غزة منذ أكثر من 22 شهرًا، لكنه في الوقت ذاته يمثل اتهامًا مباشرًا للمجتمع الدولي بالتقصير في أداء واجباته تجاه المدنيين والعاملين في المجال الإنساني. إذ لم يقتصر البيان على إحياء ذكرى العاملين الإنسانيين الذين ارتقوا أثناء قيامهم بواجبهم، بل وضع الحماية لهم في إطارها القانوني الملزم، مؤكدًا أنها ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل مسؤولية قانونية تقع على عاتق الدول والمنظمات الدولية.
إسرائيل والعقاب الجماعي
الإشارة إلى استشهاد أكثر من 500 عامل إنساني منذ أكتوبر 2023، وفق تقارير الأمم المتحدة، تمثل توثيقًا رسميًا لجريمة لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة أمنية أو عسكرية. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء بل رسالة بأن الاستهداف الإسرائيلي تجاوز المدنيين إلى أولئك الذين يفترض أنهم خط الدفاع الأول عن حياتهم وحقهم في البقاء. وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، حيث لا يمكن الاكتفاء بالبيانات والمناشدات، بل يتطلب الأمر إجراءات ملموسة توقف العدوان وتؤمّن الحماية الفعلية للعاملين في المجال الإغاثي.
البيان أبرز أيضًا أن إفلات إسرائيل من العقاب يمثل المحرك الأساسي لتكرار الجرائم، وهو تحليل يعكس إدراكًا فلسطينيًا راسخًا بأن غياب المحاسبة الدولية حوّل القانون الدولي إلى مجرد نصوص معطلة، بينما تمارس إسرائيل سياستها القائمة على العقاب الجماعي والتجويع الممنهج بلا قيود. في هذا السياق، تحذير الوزارة من أن التهاون الدولي يهدد المنظومة القانونية برمتها يشير إلى أن ما يجري في غزة لا ينحصر في البعد المحلي أو الإقليمي، بل له انعكاسات خطيرة على شرعية النظام الدولي ككل.
رسالة موجهة للعالم
ومن خلال هذا البيان، تحاول فلسطين إعادة تعريف الصراع من زاوية إنسانية وقانونية، مؤكدة أن حماية العاملين الإنسانيين ليست قضية فرعية، بل جزء من معركة مواجهة سياسة الإبادة والضم والحصار. إن تصوير هذه الحماية كـ”اختبار لجدية المجتمع الدولي” يعكس إدراكًا بأن ما يجري في غزة أصبح معيارًا يكشف حدود إرادة العالم في مواجهة انتهاكات القانون الإنساني الدولي.
يضع البيان معادلة أخلاقية وسياسية صارخة: إنقاذ الأرواح لا يجب أن يُكلف الأرواح. وهي رسالة موجهة للعالم بأن استمرار قتل العاملين في المجال الإنساني يعني القبول بتحويل العمل الإغاثي إلى مغامرة قاتلة، ويجعل من مبادئ الحماية الدولية شعارات جوفاء، فيما تبقى حياة المدنيين مرهونة بميزان القوة العسكرية بدلًا من القانون الدولي.






