إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن تشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت يمثل لحظة سياسية مفصلية في مسار التحول من مرحلة السلطة الوطنية إلى مرحلة الدولة، خاصة في ظل المتغيرات التي يشهدها المشهد الفلسطيني بعد العدوان على قطاع غزة وما خلّفه من تداعيات إنسانية وسياسية. يأتي هذا المرسوم في سياق استعداد القيادة الفلسطينية للانتخابات العامة المقبلة، التي يفترض أن تعكس مرحلة انتقالية جديدة تتوج بإنهاء الاحتلال وتكريس حل الدولتين على جدول أعمال المجتمع الدولي، خصوصا مع انعقاد المؤتمر الدولي للسلام على مستوى القمة في سبتمبر المقبل.
انطلاق مسار تأسيسي
تشكيل لجنة لصياغة الدستور المؤقت لا يعد مجرد خطوة إجرائية، بل هو بمثابة إعلان عن انطلاق مسار تأسيسي يسعى إلى تحويل السلطة الفلسطينية، التي نشأت بموجب اتفاق أوسلو، إلى كيان سياسي مكتمل العناصر المؤسسية والدستورية يمكن اعتباره نواة دولة فلسطين. فاللجنة، بحسب المرسوم، مكلفة بوضع مشروع دستور يستند إلى وثيقة إعلان الاستقلال الصادرة في الجزائر عام 1988، ويعكس مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق والحريات العامة والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة. هذا الطرح يضع الأساس لدولة فلسطينية حديثة ذات نظام ديمقراطي، ويرسل رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الفلسطينيين جاهزون لبناء دولتهم على أسس قانونية ومؤسساتية متينة بمجرد انتهاء الاحتلال.
اللافت في تشكيل اللجنة هو تركيبتها المتنوعة، إذ ضمت شخصيات سياسية ووطنية بارزة إلى جانب كفاءات قانونية ودستورية وأكاديمية، فضلا عن تمثيل المجتمع المدني والنوع الاجتماعي. هذه التعددية تعكس إدراك القيادة الفلسطينية لحساسية المرحلة وضرورة بناء توافق وطني واسع حول الإطار الدستوري للدولة المقبلة. كما أن المرسوم ينص على تشكيل لجان فنية متخصصة، بما يتيح تعميق النقاشات القانونية والمؤسسية وضمان إخراج نص دستوري متوازن يعكس حاجات المجتمع الفلسطيني وتطلعاته.
مصالحة شاملة
من زاوية أخرى، يفتح القرار الباب أمام مشاركة الفلسطينيين في الداخل والخارج من خلال المنصة الإلكترونية المزمع إنشاؤها لاستقبال الاقتراحات. هذه الآلية الرقمية تعكس وعيا بأهمية إشراك القاعدة الشعبية، ليس فقط على المستوى المحلي بل أيضا على مستوى الشتات الفلسطيني الذي يمثل عنصرا أساسيا في الهوية الوطنية. ومن شأن هذه الخطوة أن تمنح مشروع الدستور شرعية أوسع، وأن تكرس فكرة أن الدولة الفلسطينية القادمة ليست مشروعا نخبيا فحسب، بل نتاج حوار وطني شامل.
غير أن التحديات أمام هذا المسار تظل كبيرة ومعقدة. فإلى جانب استمرار الاحتلال الإسرائيلي الذي يسيطر على الأرض والحدود والموارد، يبرز الانقسام الداخلي الفلسطيني كعقبة حقيقية، إذ لا يمكن صياغة دستور لدولة موحدة دون تحقيق مصالحة شاملة بين القوى الفلسطينية، وعلى رأسها حركتا فتح وحماس. لذلك، فإن نجاح اللجنة سيعتمد بشكل كبير على قدرة القيادة على تحقيق الحد الأدنى من التوافق الوطني، وضمان أن يعكس النص الدستوري هوية جامعة لا تعمق الانقسامات.
تثبيت معالم الدولة الفلسطينية
على الصعيد الدولي، يأتي تشكيل اللجنة كخطوة سياسية محسوبة لتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي قبيل انعقاد مؤتمر السلام في سبتمبر. فهي تعكس استعداد الفلسطينيين لتحمل مسؤولياتهم كدولة قائمة، وتضع الكرة في ملعب الأطراف الدولية، وتحديدا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، التي طالما طالبت الفلسطينيين ببناء مؤسساتهم. هنا، يتحول الدستور المؤقت إلى أداة ضغط دبلوماسية تظهر أن المشكلة ليست في الجاهزية الفلسطينية، بل في استمرار الاحتلال وإفشال حل الدولتين.
يمكن القول إن تشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت يشكل محاولة لتثبيت معالم الدولة الفلسطينية في الوعي السياسي والقانوني الدولي، حتى قبل أن تتحقق فعليا على الأرض. إنها خطوة استباقية تحمل طابعا رمزيا وسياسيا في آن واحد: رمزيا باعتبارها تجسيدا لإعلان الاستقلال، وسياسيا باعتبارها رسالة بأن فلسطين تتهيأ للانتقال إلى دولة كاملة العضوية في النظام الدولي. لكن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهونا بتوازن دقيق بين الإرادة الفلسطينية الداخلية لإنهاء الانقسام وبناء توافق وطني، والضغوط الدولية لفرض حل الدولتين، وبين ذلك كله واقع الاحتلال الذي يشكل العائق الأكبر أمام أي تحول حقيقي من السلطة إلى الدولة.






