يمثل إعلان الجيش المالي عن كسر الحصار المفروض على قاعدة أنيفيس العسكرية تطوراً ميدانياً مهماً في الصراع المتصاعد شمال مالي، لكنه لا يعني بالضرورة تغيراً جذرياً في موازين القوى، فالمنطقة تشهد منذ أشهر تصعيداً متواصلاً بين القوات الحكومية والانفصاليين الطوارق، بالتزامن مع نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة، ما يجعل المشهد الأمني شديد التعقيد والتداخل.
وتبرز معركة أنيفيس باعتبارها اختباراً لقدرة المجلس العسكري الحاكم على تأمين خطوط الإمداد واستعادة السيطرة على المناطق الشمالية، في ظل اعتماد متزايد على الدعم الروسي والقوات الحليفة الإقليمية، وفي المقابل، تسعى جبهة تحرير أزواد إلى إثبات قدرتها على استنزاف القوات الحكومية عبر الكمائن وقطع طرق الإمداد، حتى وإن اضطرت إلى الانسحاب التكتيكي من بعض المواقع.
تضارب الروايات بشأن حجم الخسائر البشرية والعسكرية
وفي ظل تضارب الروايات بشأن حجم الخسائر البشرية والعسكرية، وصعوبة التحقق المستقل من مجريات القتال، تبدو المعركة جزءاً من صراع طويل لا تزال فيه السيطرة الميدانية متقلبة بين مختلف الأطراف. كما تعكس الأحداث استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها دول الساحل، حيث لم يؤدِّ التحول في التحالفات العسكرية والاعتماد على الدعم الروسي إلى الحد من نشاط الجماعات المسلحة، بل تزامن مع استمرار وتيرة الهجمات واتساع رقعة المواجهات، بما ينذر بمزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.
أعلن الجيش المالي أنه كسر الحصار الذي فرضه المتمردون حول قاعدة عسكرية استراتيجية في الشمال، في الوقت الذي يخوض فيه المجلس العسكري الحاكم في الدولة الواقعة في غرب إفريقيا معركة ضد هجوم متجدد من قبل الانفصاليين والمسلحين المرتبطين بتنظيم القاعدة .
تقع أنيفيس بين بلدة كيدال الخاضعة لسيطرة الانفصاليين وبلدة غاو الخاضعة للحكومة العسكرية. وفي وقت متأخر من مساء الخميس، أعلن انفصاليون من جبهة تحرير أزواد (FLA) أنهم هاجموا قافلة كبيرة من التعزيزات التابعة للجيش المالي وحلفائهم من الفيلق الروسي في أفريقيا والميليشيات المحلية، ما أدى إلى قطع الإمدادات عن القاعدة، لكنهم أقروا يوم الجمعة بأنهم انسحبوا من المنطقة بعد قتال عنيف.
تدمير 12 مركبة قتالية للانفصاليين
وأعلن الجيش أنه خلال الـ 24 ساعة الماضية، “تم تدمير 12 مركبة قتالية وتحييد ما يقرب من 100 إرهابي”. ولم يقدم الجيش أي حصيلة جديدة للخسائر في صفوفه، بما في ذلك في أنيفيس.
وقال الجيش المالي في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الجمعة أن قافلة لوجستية كبيرة من التعزيزات وصلت في الليلة السابقة من غاو إلى أنيفيس.
وأضاف البيان أن “العمليات الجوية والبرية سمحت” للجيش باستعادة المنطقة “على الرغم من الكمائن العديدة التي نصبتها الجماعات الإرهابية المسلحة التابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير آسام والجماعات التابعة لها”.
خسائر فادحة في الأرواح
وقال محمد المولد رمضان، المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد، إن “قرارنا النهائي هو الانسحاب حتى نتمكن من تنظيم أنفسنا بشكل أفضل”. وادعى أن جيوش النيجر وبوركينا فاسو قدمت المساعدة لجيش مالي.
وأضاف: “من جانبنا، بلغ عدد القتلى خمسة وعشرة جرحى تقريباً”، وزعم أن القوات العسكرية، بما في ذلك فيلق أفريقيا الروسي، تكبدت “خسائر فادحة في الأرواح”. لم يكن من الممكن التحقق بشكل مستقل من مزاعم الجيش والانفصاليين.
في الأسبوع الماضي، استهدف انفصاليون من جبهة تحرير أزواد عدة بلدات شمالية، من بينها بلدة غاو المجاورة ، وفرضوا فعلياً حصاراً على معسكر أنيفيس العسكري، الذي كان الجيش المالي يحاول اختراقه. وأفادت جبهة تحرير أزواد أن أول قافلة أرسلها الجيش المالي تعرضت لكمين يوم الأحد الماضي. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور لما وصفه المتمردون بأنه مروحية محطمة وشاحنات عسكرية محترقة.
إقامة دولة مستقلة
سبق أن واجهت مالي تمردات من قبل مسلحين تابعين لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، فضلاً عن تمرد انفصالي في شمال البلاد. ويخوض الانفصاليون نضالاً منذ سنوات لإقامة دولة مستقلة في شمال مالي.
في أبريل، شنت جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في المنطقة بعضاً من أعنف الهجمات منذ أكثر من عقد، مما أسفر عن مقتل وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كامارا، في منزله والسيطرة على العديد من المدن الشمالية الرئيسية. ويقود المجلس العسكري في مالي الجنرال عاصمي غويتا.
النيجر وبوركينا فاسو تقدودان معارك ضد الجماعات الجهادية
إلى جانب مالي، تخوض النيجر وبوركينا فاسو المجاورتان أيضاً معارك ضد الجماعات الجهادية. فبعد الانقلابات العسكرية، تحولت المجالس العسكرية في هذه الدول الثلاث من حلفاء غربيين إلى روسيا طلباً للمساعدة في مكافحة المتشددين الإسلاميين.
لكن الوضع الأمني ازداد سوءاً مع تسجيل عدد قياسي من الهجمات المسلحة. كما اتُهمت القوات الحكومية والمقاتلون الروس بقتل مدنيين يشتبه في تعاونهم مع المسلحين.






