تشكل الحرف اليدوية السورية واحدة من أعرق المكونات الثقافية في المشرق العربي، فهي نتاج تراكم حضاري يمتد لآلاف السنين، وتعتبر انعكاساً مباشراً لهوية المدن السورية وتراثها، وفي مقدمتها دمشق التي كانت مركزاً للأصالة والحرف منذ العصر الأموي وحتى القرن العشرين. ومع اشتداد الأزمة السورية خلال العقد الماضي، تعرضت هذه الحرف لضربات قاسية تمس جوهر ممارستها، سواء بفعل النزوح، أو انهيار البنى الاقتصادية، أو تراجع القدرة الشرائية، أو حتى فقدان الكثير من الورش التقليدية التي كانت تميز أسواق دمشق وحلب وحمص. ورغم ذلك، ما زال الحرفيون السوريون يحاولون مقاومة هذا التراجع عبر ابتكار أساليب جديدة للحفاظ على إرثهم، بما في ذلك المشاركة في الفعاليات الدولية، مثل «الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية – بنان 3» في الرياض، الذي يمثل متنفساً اقتصادياً وثقافياً وفرصة لعرض أعمالهم أمام جمهور واسع.
الحرفيون السوريون بين الحرب والإحياء
على امتداد سنوات الأزمة، لم يكن من السهل على الحرفيين الاستمرار في أعمالهم، فقد فقد الكثيرون ورشهم التي دُمّرت أو نهبت، واضطر آخرون للانتقال إلى مدن جديدة أو الخروج من البلاد. ومع ذلك، تُظهر مشاركة الحرفيين السوريين في المحافل الدولية، ومنهم الخطاط محمد ماهر حاضري والحرفي الدمشقي عثمان شبعانية، أن إرادة الصمود تجاوزت حدود الجغرافيا والأزمات. فمشروع حاضري الذي استغرق اثني عشر عاماً من العمل لينتهي عام 2010، يعكس ارتباط الفنان السوري بتراثه وحرصه على استثمار مهاراته رغم كل المعوقات. وعندما يعرض هذا العمل اليوم في الرياض، فهو لا يقدم مجرد مخطوطة فنية، بل يقدم تاريخاً من المثابرة والارتباط الروحي بالحرف العربية التي كانت دمشق من أبرز حواضنها.
أما الحرفي عثمان شبعانية، الذي يعرض مشغولاته النحاسية ذات «الروح الدمشقية»، فينقل تلك الهوية التي تميّز المشغولات السورية: الحوار الدائم بين الأصالة والتحديث، وبين الشكل التقليدي والزخارف المعاصرة. شبعانية لا يعمل وحيداً؛ فحرفته عائلية بامتياز، تماماً كما كانت في أسواق دمشق القديمة حيث تنتقل المهنة من الآباء إلى الأبناء. هذه السلسلة الهرمية المتوارثة هي سر قوة الحرف السورية، لكنها أيضاً مهددة اليوم بانقطاعها بفعل التهجير والشتات.
الأزمة السياسية وتأثيرها على الحاضن الاجتماعي للحرف
منذ عام 2011، انعكس الصراع السياسي في سوريا على الحرف اليدوية بشكل مباشر. فالأسواق التقليدية التي كانت مركز هذه المهن—مثل سوق الحميدية، سوق الحرير، التكية السليمانية، وسوق خان العسل في حلب—تعرضت للضرر، مما أفقد الحرفيين أماكن عملهم ومصادر دخلهم. كما أدى انهيار الاقتصاد إلى تراجع الطلب الداخلي على السلع التقليدية، سواء بسبب تدهور الدخل أو تغير أولويات الأسرة السورية التي صارت تركز على الاحتياجات الأساسية.
وأكثر من ذلك، تراجع دور الدولة في دعم الحرف نتيجة ضعف الإمكانيات، ما ترك الحرفيين بين خيارين: إما مغادرة المهنة بحثاً عن مصدر آخر، أو البحث عن أسواق خارجية عبر مشاركات فردية أو مبادرات تمولها جهات عربية وأجنبية. ولذلك، يمكن القول إن الأزمة لم تهدد الحرف فقط من ناحية البنية التحتية والاقتصاد، بل هددت أيضاً البنية الاجتماعية للمهنة نفسها، القائمة على الوراثة والاستمرار.
«البنان» نموذجاً لفرص التعافي خارج الحدود
تُظهر مشاركة الحرفيين السوريين في «بنان 2025» الدور الذي تلعبه الفعاليات الدولية في دعم استمرار الحرف. فهذه المشاركة ليست مجرد عرض لمنتجات، بل هي عملية إعادة تنشيط لقطاع كامل يبحث عن بيئة حاضنة جديدة. إذ وجد الحرفيون في السعودية، وفي مناسبات مشابهة في دول الخليج وتركيا وأوروبا، منصات تتيح لهم:
تسويق منتجاتهم بعيداً عن السوق المحلية المتعثرة.
التواصل مع جمهور قادر على تقدير الحرفة ودفع قيمتها الحقيقية.
إعادة بناء شبكات التجارة والصناعة التي فقدوها داخل سوريا.
نقل الخبرات والحفاظ على استمرارية المهنة عبر الأجيال.
وتقدّم المعارض الدولية للحرفيين السوريين فرصة جدية للتعافي، لأنها تعيد ربطهم بسوق عالمية تقيس جودة المنتج لا الظروف السياسية التي أنتجته. فالتنوع الكبير للحرف السورية، من النحاسيات إلى الزجاج الملون والمنمنمات الخشبية والخط العربي، يمنحها قدرة تنافسية عالية في المعارض الدولية، ما يعزز فرص استعادتها مكانتها.
كيف أثّرت الحرب على الصناعة الحرفية؟
الصراعات في سوريا أثرت في مسار الحرف اليدوية من زوايا متعددة، فقدت دمشق وحلب الكثير من مراكز التصنيع التقليدية التي كانت القلب النابض للصناعات اليدوية، وهاجر الكثير من الحرفيين المهرة إلى الخارج، ما أدى إلى تفريغ البلاد من خبراتها المتراكمة عبر قرون. النحاس والخشب والزجاج والمينا معادن مرتبطة بالأسواق العالمية، وأسعارها ارتفعت بشكل يفوق قدرة السوق السورية على الاستيعاب. الحرف اليدوية، رغم ارتباطها الثقافي، تُصنّف اليوم ضمن “الرفاهية” بالنسبة لكثير من الأسر السورية التي تعاني ضائقة اقتصادية. نتيجة الانشغال السياسي والأمني، تراجع دور الجهات الرسمية في تنظيم المهنة أو تدريب جيل جديد من الحرفيين.
إحياء التراث الحرفي كفعل مقاومة ثقافية
رغم كل ما سبق، لا تزال الحرف السورية حاضرة بقوة، سواء عبر المشاركات الخارجية أو عبر ورش صغيرة داخل البلاد. ويمكن القول إن الإصرار على استمرار الحرفة أصبح شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية، إذ يحاول السوريون الحفاظ على ذاكرة مدنهم من خلال استمرار أشكال الإنتاج التقليدي التي تحمل روح المكان.
ويعكس تطوير شبعانية لزخارف جديدة أو تحديث أشكال القطع دون فقدان هويتها الدمشقية قدرة الحرفيين على إدخال عناصر الابتكار، وهو ما يضمن استمرار الحرفة في عالم متغير. كما يفتح الباب أمام جيل جديد قد يجد في الحرف مصدر دخل محترم وسبيلاً لإعادة التواصل مع جذور المدينة.
مستقبل الحرف السورية بين الخطر والفرص
مستقبل الحرف السورية يقف اليوم على مفترق طرق. فمن ناحية، هناك مخاطر استمرار النزيف البشري والمادي وتراجع دور الجيل الجديد في وراثة المهنة. ومن ناحية أخرى، هناك فرص حقيقية، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بالحرف اليدوية، ووجود منصات عربية—مثل السعودية والإمارات—تقدم دعماً ثقافياً واقتصادياً لهذه الصناعات.
وتعتبر المبادرات الدولية، إلى جانب إعادة إعمار الأسواق القديمة في دمشق وحلب، عوامل قد تعزز من قدرة الحرفيين على الاستمرار. لكن ذلك يحتاج إلى سياسات واضحة تدعم المهنة وتنقلها من حالة «الصمود الفردي» إلى «التعافي المؤسسي».
يحاول الحرفيون السوريون اليوم إعادة إحياء إبداعات دمشق من خلال دمج الأصالة بالابتكار، واستخدام منصات خارجية لتعويض خسائر الداخل، والحفاظ على روح المهنة عبر العائلات التي ما زالت تعمل فيها رغم كل الظروف. وعلى الرغم من التأثيرات العميقة للصراع في سوريا على مستقبل الحرف اليدوية، فإن حضور الحرفيين في معارض دولية مثل «بنان 2025» يقدم مثالاً واضحاً على قدرة الإرث السوري على الصمود، واستعداده لاستعادة مكانته متى ما توفرت له البيئة المناسبة والدعم المؤسسي.
إن الأزمة السورية قد أضعفت الحرف، لكنها لم تُنهِها. وما زال الحرفيون يمسكون بخيط دمشق الطويل، ينسجون منه طموحاً جديداً بأن تعود صناعاتهم إلى الازدهار كما كانت يوماً، ويثبتون أن الإبداع أعمق من السياسة، وأن الهوية أقوى من الحرب.






