بدء الهجوم البري الإسرائيلي على مدينة غزة يمثل محطة مفصلية في مسار الحرب الممتدة منذ ما يقارب العامين، إذ يكشف الانتقال من الضربات الجوية إلى الاجتياح المباشر عن تغير نوعي في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية. هذا التحول لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان متوقعاً، خصوصاً بعد التمهيد السياسي والإعلامي الذي سبق العملية، وزيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى تل أبيب للتأكيد على الدعم الأميركي الراسخ لإسرائيل، وهو ما أعطى الغطاء الدولي لهذه الخطوة.
حرب شوارع داخل غزة
دلالات هذه العملية متعددة، أولها أن إسرائيل باتت تعتبر أن القصف الجوي وحده لم يعد كافياً لتحقيق أهدافها، خصوصاً مع استمرار “حماس” في التمسك بموقفها واحتفاظها بقدرة على المقاومة، وإن كانت محدودة. لذلك فإن الدخول البري يعكس محاولة حسم ميداني عبر السيطرة على مدينة غزة، بوصفها مركزاً رمزياً وسياسياً، وإضعاف البنية التنظيمية للحركة بشكل مباشر.
ثاني الدلالات أن العملية البرية جاءت “تدريجية”، وفق وصف المسؤولين الإسرائيليين، ما يشير إلى إدراك تل أبيب أن الدخول في حرب شوارع داخل غزة قد يكون مكلفاً بشرياً وسياسياً. فهي تراهن على سياسة الاستنزاف البطيء للخصم، مع الحفاظ على أكبر قدر من السيطرة الإعلامية والسياسية على صورة المعركة أمام الرأي العام المحلي والدولي.
ضوء أخضر أميركي
ثالثاً، يعكس التوقيت بعد زيارة المسؤول الأميركي أن إسرائيل لا تتحرك بمعزل عن ضوء أخضر أميركي واضح، وأن الدعم السياسي والعسكري لنتنياهو قائم على أساس أن العملية تمثل جزءاً من معركة أوسع لفرض واقع جديد في غزة، يضمن لإسرائيل تفوقاً استراتيجياً على المدى الطويل. في المقابل، يُظهر هذا أن أي دعوات دولية لوقف إطلاق النار لا تزال ضعيفة وغير مؤثرة أمام ثقل الموقف الأميركي.
من جهة أخرى، يضع الاجتياح البري سكان غزة أمام مرحلة أكثر مأساوية، إذ إن تجربة الاجتياحات السابقة أثبتت أن الكلفة الإنسانية ترتفع بشكل هائل مع العمليات البرية، حيث تتضاعف أعداد الضحايا وتزداد معاناة المدنيين تحت القصف والاشتباكات المباشرة. وهو ما يجعل العملية ليست مجرد معركة عسكرية ضد “حماس”، بل أيضاً حرباً مفتوحة على المجتمع المدني الفلسطيني برمته.
استنزاف طويل الأمد
الاجتياح البري لغزة ليس مجرد تطور ميداني، بل هو إعلان إسرائيلي بأن الحرب لن تتوقف عند حدود الضغط الجوي أو التهديد السياسي، بل ستتواصل حتى محاولة فرض واقع جديد بالقوة. غير أن ما تجهله إسرائيل أو تتجاهله هو أن العمليات البرية غالباً ما تتحول إلى مستنقع استنزاف طويل الأمد، وهو ما قد يعيد إنتاج دوامة من العنف المتبادل، ويترك غزة مرة أخرى محطمة، فيما يبقى الحل السياسي غائباً عن الأفق.







