لم يعد موقع العراق الجغرافي والسياسي ميزة توازن كما كان يُنظر إليه سابقًا، بل تحوّل إلى عبء استراتيجي يضع بغداد في قلب صراع لا تملك أدوات حسمه. فمع تصاعد المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، يجد العراق نفسه مرة أخرى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، لكن هذه المرة بأدوات أكثر تعقيدًا، تمتد من الضربات الأمنية إلى الضغوط المالية.
ساحة حرب غير معلنة تتجاوز الحدود التقليدية
منذ الساعات الأولى للتصعيد الإقليمي، لم تكن الأراضي العراقية بعيدة عن دائرة الاستهداف. الضربات التي نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ضد جماعات مسلحة مرتبطة بإيران أعادت تثبيت العراق كخط تماس رئيسي في هذا الصراع.
ردّ الفصائل جاء سريعًا، ليس فقط من خلال التصعيد الميداني، بل أيضًا عبر تعزيز خطاب المواجهة، في مؤشر على أن هذه الجماعات لم تعد تتصرف كقوى محلية فحسب، بل كجزء من شبكة إقليمية أوسع.
في هذا السياق، لم يعد الأمن العراقي مسألة داخلية، بل امتدادًا مباشرًا لصراع النفوذ بين قوتين خارجيتين.
الدولار كسلاح: واشنطن تضغط من بوابة الاقتصاد
التحول الأبرز في هذه الأزمة لا يكمن في الجانب العسكري، بل في استخدام الاقتصاد كأداة ضغط. قرار واشنطن تعليق تسليم كميات كبيرة من الدولارات إلى بغداد لم يكن إجراءً تقنيًا، بل رسالة سياسية واضحة.
منذ عام 2003، تمر عائدات النفط العراقي عبر النظام المالي الأمريكي قبل وصولها إلى بغداد، ما يمنح واشنطن نفوذًا استثنائيًا على الاقتصاد العراقي.
وبالنظر إلى أن أكثر من 90% من ميزانية العراق تعتمد على النفط، فإن أي تقييد لهذه التدفقات يتحول عمليًا إلى ضغط مباشر على الدولة نفسها، وليس فقط على الحكومة.
حكومة ضعيفة في لحظة حرجة
تأتي هذه الأزمة في وقت تعيش فيه بغداد فراغًا سياسيًا نسبيًا، مع حكومة تصريف أعمال وانقسامات داخلية حول تشكيل السلطة الجديدة.
هذا الضعف المؤسسي يجعل العراق أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية، حيث تسعى كل من واشنطن وطهران إلى توجيه مسار المفاوضات السياسية بما يخدم مصالحها.
في مثل هذا السياق، لا يكون الصراع مجرد تنافس بين قوتين، بل يصبح أيضًا صراعًا على شكل الدولة العراقية نفسها.
الفصائل المسلحة: من أداة نفوذ إلى معضلة سيادية
على مدى السنوات الماضية، حاولت الحكومات العراقية المتعاقبة إدماج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة أو على الأقل إخضاعها لسلطتها.
لكن مع تصاعد التوتر الإقليمي، تغيّرت المعادلة. هذه الجماعات باتت ترى نفسها في مواجهة تهديد وجودي، خاصة في ظل استهداف مباشر لحلفائها في إيران.
هذا الشعور يعقّد أي محاولة لضبطها، ويضع الحكومة أمام معضلة مزدوجة: الحاجة إلى فرض السيادة من جهة، وتجنب الانزلاق إلى صدام داخلي من جهة أخرى.
النفط ومضيق هرمز: أزمة تتجاوز الحدود العراقية
تزداد الضغوط الاقتصادية على العراق مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وهو شريان حيوي لصادرات الطاقة العالمية.
أي تعطيل في هذا الممر لا يؤثر فقط على الأسعار العالمية، بل ينعكس مباشرة على قدرة العراق على تصدير نفطه، وبالتالي على تمويل موازنته.
وهنا تتقاطع الأزمة المحلية مع التوترات الإقليمية، لتضع الاقتصاد العراقي أمام اختبار قاسٍ في وقت يفتقر فيه إلى بدائل حقيقية.
توازن مستحيل بين حليفين متناقضين
المعضلة الأساسية لبغداد تكمن في استحالة التوفيق الكامل بين واشنطن وطهران.
الولايات المتحدة تملك مفاتيح الاقتصاد والنظام المالي، بينما تحتفظ إيران بنفوذ عميق داخل المشهد السياسي والأمني العراقي.
أي انحياز واضح لأحد الطرفين يحمل مخاطر فورية، ما يدفع العراق إلى محاولة الحفاظ على توازن دقيق، لكنه توازن يزداد هشاشة مع كل تصعيد جديد.




