كشفت صحيفة نيويورك تايمز في تحقيق موسع عن استخدام إسرائيل قاعدة سرية ثانية داخل الأراضي العراقية خلال الحرب مع إيران، في تطور يسلط الضوء على اتساع نطاق المواجهة غير المعلنة بين الطرفين، وتعقيدات الصراع الأمني في المنطقة.
وبحسب التحقيق، فإن القاعدة أُنشئت في عمق الصحراء العراقية أواخر عام 2024، واستُخدمت لأكثر من عام في عمليات مرتبطة بالتحركات الإسرائيلية ضد إيران، وسط اتهامات لبغداد بأن واشنطن كانت على علم بوجودها دون إبلاغ السلطات العراقية.
وتكتسب القضية حساسية كبيرة داخل العراق، ليس فقط بسبب طبيعة النشاط العسكري الأجنبي على أراضيه، بل أيضًا بسبب التداعيات السياسية التي قد تزيد من حدة الانقسام الداخلي بين المعسكرات القريبة من الولايات المتحدة وتلك الموالية لإيران.
راعي أغنام يقود إلى كشف الموقع السري
التحقيق الأمريكي أشار إلى أن اكتشاف القاعدة تم “بالصدفة” عبر راعي أغنام عراقي يدعى عوض الشمري، يبلغ من العمر 29 عامًا، بعدما صادف الموقع خلال تنقله قرب مدينة النخيب في غرب العراق.
ووفق الرواية المنشورة، قام الشمري بإبلاغ قيادة عسكرية عراقية بما شاهده داخل المنطقة الصحراوية، قبل أن يتعرض لاحقًا لهجوم أدى إلى مقتله.
وقال أقارب للضحية إنهم عثروا على مركبته محترقة بالكامل، بينما كانت جثته متفحمة داخلها، بعد تقارير تحدثت عن استهداف السيارة بواسطة مروحية.
ونقلت الصحيفة عن سكان بدو في المنطقة أنهم شاهدوا الهجوم الجوي، في حين لم يصدر أي تعليق رسمي إسرائيلي بشأن الاتهامات الواردة في التحقيق.
اشتباك مع قوة عراقية وتصعيد سياسي
في اليوم التالي للحادثة، أرسلت القوات العراقية بعثة استطلاع إلى المنطقة لمحاولة معرفة ملابسات ما جرى، إلا أن القوة تعرضت لإطلاق نار أثناء اقترابها من الموقع.
وأدى الاشتباك، بحسب الرواية العراقية، إلى مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين، إضافة إلى تضرر آليات عسكرية نتيجة القصف.
وأعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية لاحقًا أن قوات “أجنبية” هاجمت عناصرها داخل الأراضي العراقية، مؤكدة أنها رفعت شكوى إلى مجلس الأمن الدولي بشأن الحادثة.
هذه التطورات أثارت موجة غضب داخل الأوساط السياسية العراقية، خاصة لدى القوى القريبة من إيران، التي اعتبرت القضية دليلًا على وجود تنسيق أمني غير معلن بين بغداد وواشنطن، وعلى فشل الحكومة في حماية السيادة العراقية.
واشنطن في دائرة الاتهام
التحقيق أشار كذلك إلى أن الولايات المتحدة كانت على علم بوجود القاعدة منذ منتصف عام 2025، أو ربما قبل ذلك، ما فتح الباب أمام اتهامات عراقية لواشنطن بالتستر على نشاط عسكري أجنبي داخل البلاد.
وترى أطراف عراقية أن هذا الملف قد يعقّد أكثر العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، خصوصًا في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى الحد من النفوذ الإيراني داخل العراق والحفاظ على تعاونها العسكري مع الحكومة العراقية.
كما يخشى مراقبون من أن تتحول القضية إلى ورقة سياسية تستخدمها الفصائل الموالية لإيران لتوسيع حملتها ضد الوجود الأمريكي، واتهام واشنطن بالتورط في عمليات تمس الأمن العراقي.
العراق بين النفوذ الأمريكي والصراع الإيراني الإسرائيلي
تكشف هذه المعطيات حجم التعقيد الذي يواجهه العراق، الذي يجد نفسه مرة أخرى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية متشابكة.
ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة العراقية الحفاظ على توازن حساس بين علاقتها مع الولايات المتحدة وجوارها الإيراني، تتزايد المؤشرات على أن الأراضي العراقية ما تزال تستخدم في صراعات الظل بين إسرائيل وإيران.
ويرى محللون أن أي تأكيد رسمي لهذه المعلومات قد يفتح الباب أمام أزمة دبلوماسية وأمنية جديدة، ليس فقط بين بغداد وواشنطن، بل أيضًا داخل المشهد السياسي العراقي المنقسم أصلًا حول طبيعة الوجود العسكري الأجنبي في البلاد.




