أعلن الجيش السوداني، تصديه لهجوم جديد شنّته قوات «الدعم السريع» على مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور. وأكد المتحدث باسم الجيش أن القوات الحكومية ألحقت بالمهاجمين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، بينما انسحب من تبقى منهم تاركين خلفهم أسلحة ومركبات مدمرة.
ويأتي هذا الهجوم في وقت يواصل فيه الطرفان تبادل السيطرة على محاور حساسة حول المدينة، ما يجعل الفاشر ساحة قتال رئيسية منذ أكثر من عام.
رقم قاتم واتهامات أممية
الأمم المتحدة أعلنت أن ما لا يقل عن 89 مدنيًا قُتلوا خلال عشرة أيام فقط نتيجة هجمات «الدعم السريع» على الفاشر ومخيم أبو شوك المجاور. وأوضحت أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق الاشتباكات.
المفوضية السامية لحقوق الإنسان اتهمت القوات المهاجمة بارتكاب «جرائم وحشية»، مشيرة إلى تنفيذ إعدامات ميدانية بحق 16 مدنيًا بينهم نساء وأطفال، غالبيتهم من قبيلة الزغاوة.
حصار خانق وواقع إنساني مأساوي
تُعتبر الفاشر آخر معاقل الجيش السوداني في إقليم دارفور، وهي محاصَرة منذ مايو 2024 وسط تضييق مستمر على إمدادات الغذاء والدواء. تقارير إنسانية حذرت من أن مئات الآلاف من المدنيين يعيشون تحت تهديد المجاعة والعطش، بينما تتراجع الخدمات الطبية بشكل خطير.
المنظمات الدولية وصفت الوضع بأنه «كارثة إنسانية مركّبة»، إذ تتقاطع المعارك مع الحصار لتضع مئات آلاف النازحين أمام معاناة مضاعفة.
أعلنت منظمة الصحة العالمية أن حالات الكوليرا في الفاشر تجاوزت 48 ألف إصابة، مع أكثر من 1000 وفاة حتى 11 أغسطس الجاري. انتشار الوباء جاء نتيجة تلوث مصادر المياه ونقص الأدوية، في وقت تنهار فيه البنية الصحية للمدينة بسبب القصف والحصار.
الأطباء المحليون حذروا من أن «الكوليرا قد تقتل أكثر مما تفعله الرصاصات» إذا لم يتم التدخل العاجل بإمدادات طبية وغذائية.
ردود فعل دولية غاضبة
الأمم المتحدة عبّرت عن «صدمتها» من طبيعة الجرائم المرتكبة، فيما دعت منظمات حقوقية إلى تحرّك دولي لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين. الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية أعربا عن قلقهما البالغ من تدهور الأوضاع في دارفور، مؤكدين ضرورة العودة إلى مفاوضات سياسية لوقف الحرب.
غير أن الانقسام الإقليمي والدولي حول مسار الأزمة لا يزال يعرقل أي مبادرات جدية لفرض هدنة.
رسائل الجيش والدعم السريع
في بياناته، يسعى الجيش السوداني لتأكيد قدرته على حماية المدنيين واستعادة السيطرة على كامل دارفور، بينما تواصل قوات الدعم السريع الزعم بأنها تقاتل «ضد النظام العسكري» وتعمل على «تحرير الإقليم».
هذا التباين في الخطاب يزيد من تعقيد الأزمة ويجعل الحل العسكري يبدو مفتوحًا على المجهول.
الأزمة أبعد من ساحة المعركة
يرى محللون أن ما يجري في الفاشر يتجاوز حدود الصراع بين الجيش والدعم السريع، ليعكس أزمة أعمق مرتبطة بغياب الدولة وتفكك المؤسسات. فدارفور اليوم ليست مجرد مسرح حرب، بل منطقة تتهددها المجاعة والوباء والانقسام القبلي، ما قد يفتح الباب أمام موجة نزوح جديدة تهدد الاستقرار الإقليمي.
ومع استمرار القتال في الفاشر، تتصاعد المخاوف من اتساع رقعة النزاع إلى دول الجوار مثل تشاد وإفريقيا الوسطى. فالإقليم الحدودي المضطرب تاريخيًا قد يتحول إلى مصدر تهديد للأمن الإقليمي، خصوصًا مع تزايد تهريب السلاح وعبور المقاتلين عبر الحدود المفتوحة.
ووسط هذه المعارك، يظل المدنيون الخاسر الأكبر. شهادات الناجين من الفاشر ومخيم أبو شوك تكشف عن قصص مأساوية: عائلات فقدت كل شيء، وأطفال يكبرون تحت أصوات المدافع، ونساء يواجهن العنف والنزوح في ظروف غير إنسانية.
السيناريوهات المحتملة
المراقبون يطرحون ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الفاشر:
1. الحسم العسكري لصالح أحد الطرفين، وهو ما سيكلف المدينة دمارًا هائلًا.
2. تسوية مؤقتة بضغط دولي تسمح بمرور المساعدات الإنسانية.
3. استمرار الاستنزاف في حرب طويلة الأمد، ما يعني تفاقم المعاناة الإنسانية وتراجع فرص الاستقرار.






