مع احتدام الحرب في قطاع غزة، يتعرض اللاجئون السودانيون في إسرائيل إلى واقع أشد قسوة، حيث تتزايد التهديدات ضدهم ويواجهون خطاباً شعبوياً يعتبرهم “عبئاً أمنياً وديموغرافياً”. هذه الفئة التي فرت من ويلات الحروب والنزاعات في دارفور وجنوب السودان، وجدت نفسها عالقة في بلد لا يمنحها حقوقاً قانونية واضحة ولا يوفّر لها مستقبلاً آمناً، خصوصاً في ظل صعود الخطاب اليميني في إسرائيل.
تقديرات منظمات حقوقية تشير إلى أن ما بين 25 إلى 30 ألف لاجئ أفريقي يقيمون في إسرائيل، يشكل السودانيون النسبة الأكبر منهم. وعلى الرغم من محاولاتهم الاندماج عبر العمل في قطاعات هامشية مثل البناء والمطاعم والخدمات، فإن معظمهم يعيشون بلا وضع قانوني دائم، ما يتركهم عرضة للاستغلال والطرد في أي لحظة.
تهديدات مضاعفة بعد غزة
الحرب على غزة فتحت الباب أمام موجة جديدة من التحريض ضد اللاجئين الأفارقة، إذ يتهمهم بعض الساسة بأنهم “غير شرعيين” و”خطر ديموغرافي” على الهوية اليهودية للدولة. وفي بعض الأحياء الفقيرة من تل أبيب، حيث يتركز وجود السودانيين، سجلت حوادث اعتداءات لفظية وجسدية، فضلاً عن تهديدات بالطرد الجماعي.
بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، ينظر إلى هؤلاء اللاجئين باعتبارهم ورقة سياسية أكثر من كونهم قضية إنسانية، حيث يلوّح وزراء اليمين بإجراءات ترحيل جماعية أو التضييق عليهم لإجبارهم على “المغادرة الطوعية”. لكن الوجهة تظل مجهولة، خصوصاً أن كثيراً منهم لا يستطيع العودة إلى السودان الغارق في صراعاته الدامية، ولا يملك القدرة على الهجرة إلى بلد ثالث.
شهادة من الداخل: “لا نعرف إلى أين نذهب”
في محاولة لرسم صورة أقرب إلى الواقع، أجرينا حواراً افتراضياً مع “م.ع”، لاجئ سوداني يعيش منذ أكثر من عشر سنوات في تل أبيب، ليحدثنا عن يومياته وظروفه:
سؤال: كيف تبدو حياتكم بعد الحرب على غزة؟
م.ع: الأوضاع أصبحت أصعب بكثير. نحن هنا بلا حماية، ونشعر أننا مستهدفون. عندما تقع أي أزمة، ينظر إلينا الناس وكأننا سبب المشاكل. هناك من يصرخ في وجوهنا في الشوارع ويقول: “عودوا إلى بلادكم”. لكن إلى أي بلد نعود؟ السودان اليوم يحترق بالحرب، وليس لنا هناك بيت أو أمان.
سؤال: هل تتمتعون بأي حقوق قانونية أو خدمات أساسية؟
م.ع: لا، نحن نعيش كأننا غير موجودين. لا جنسية، لا إقامة دائمة، ولا حقوق واضحة. نعمل في المطاعم أو في التنظيف بأجور منخفضة جداً، وإذا مرض أحدنا لا نجد تأميناً صحياً. حتى أطفالنا لا يُعاملون مثل بقية الأطفال الإسرائيليين في المدارس.
سؤال: هل تفكرون في المغادرة إلى بلد آخر؟
م.ع: نعم، معظمنا يريد المغادرة. لكن إلى أين؟ لا توجد أي دولة تعلن استعدادها لاستقبالنا. نحن عالقون بين سماء مفتوحة بلا وجهة وأرض لا تعترف بنا. هذا ما يجعل الحياة هنا أقرب إلى السجن الكبير.
معضلة إنسانية بلا حلول
ما يكشفه “م.ع” يلخص مأساة آلاف اللاجئين السودانيين الذين علقوا في إسرائيل بين مطرقة الرفض الشعبي وسندان الانقسام السياسي الداخلي. فالحكومة لا تملك خطة واضحة لحل أوضاعهم، والمنظمات الدولية تعجز عن إيجاد بدائل واقعية، فيما يستمر تصاعد الخطاب العنصري الذي يربطهم بالفوضى والجريمة.
في ظل هذه الظروف، يبدو أن اللاجئين السودانيين في إسرائيل يواجهون مصيراً غامضاً، حيث لا أفق لاندماج حقيقي، ولا بدائل آمنة للهجرة، ولا إمكانية للعودة إلى وطن تمزقه الحروب. ومع كل جولة تصعيد في غزة، تتجدد مأساتهم كأنها جزء من حلقة متكررة لا تجد نهاية.




