يبرز المشهد في قطاع غزة، كما نقلته التقارير الفلسطينية الأخيرة، واقعاً دامياً يعكس تدهوراً متسارعاً في الحالة الإنسانية، وتزايداً مقلقاً في وتيرة استهداف المدنيين، حتى عند نقاط توزيع المساعدات التي يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً لأكثر فئات السكان ضعفاً. استشهاد 44 فلسطينياً في يوم واحد، بينهم 22 قُتلوا على أبواب المساعدات، لا يمكن فهمه بمعزل عن منطق العقاب الجماعي الذي يُمارس في الحرب الإسرائيلية المتواصلة على القطاع، والذي بات يستهدف حياة الفلسطينيين حتى في لحظات بحثهم عن الطعام أو النجاة.
ضحايا المساعدات
المواقع التي شهدت إطلاق النار، مثل شمال غرب رفح، وجسر وادي غزة، تعكس توزعاً جغرافياً واسعاً لنقاط الاشتباك، وهو ما يشير إلى اتساع نطاق استهداف المدنيين في سياق يبدو غير مرتبط بأي مواجهات عسكرية مباشرة. فوفقاً لشهادات شهود العيان وتصريحات مسؤولي الدفاع المدني، لم يكن هناك أي تهديد مباشر يبرر استخدام القوة القاتلة، مما يضع تلك الحوادث في إطار الجرائم المحتملة بموجب القانون الدولي الإنساني، خاصة وأن الضحايا كانوا في مناطق توزيع مساعدات، وهي مناطق من المفترض أن تحظى بحماية خاصة.
شهادة جبر الشاعر، الذي أكد أن الجنود أطلقوا النار على الناس رغم عدم وجود أي تهديد، تسلط الضوء على شعور عام باليأس والخذلان بين المدنيين. هؤلاء الذين ينتظرون المساعدات الغذائية لسد رمقهم، يجدون أنفسهم في مواجهة رصاص مباشر وطائرات استطلاع تحوم فوق رؤوسهم، في مشهد يعكس عسكَرة كاملة للفضاء الإنساني داخل القطاع.
استهداف المدنيين
الأكثر خطورة في الحادث أن بعض الضحايا سقطوا نتيجة غارات شنتها طائرات استطلاع إسرائيلية على مدنيين متجمعين، بحسب ما أفاد به الدفاع المدني. هذا الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة في استهداف المدنيين يضيف بُعداً تقنياً إلى مأساة الغزيين، إذ يُظهر كيف أن التكنولوجيا العسكرية تُستخدم في مراقبة واستهداف حشود بشرية غير مسلحة في لحظات ضعف شديدة.
ولا يقتصر الأمر على الضحايا من المدنيين، بل طالت الضربات أيضاً أحد العاملين في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، في مؤشر إضافي على عدم احترام القوات الإسرائيلية للرموز الإنسانية أو المنشآت الطبية. هذا الاستهداف المتكرر للعاملين في المجال الإغاثي يعرقل ليس فقط جهود الإنقاذ، بل يقوض النظام الإنساني بأكمله في القطاع.
تعكس هذه الحوادث نمطاً بات مألوفاً في الحرب الجارية: استمرار القتل المنهجي خارج ميدان المعركة التقليدي، وتصاعد الاستهداف المباشر للمدنيين في أماكن يعتبرها القانون الدولي “مناطق محمية”. وفي ظل غياب أي آليات فعالة للمساءلة أو الضغط الدولي الجاد، تبدو إسرائيل ماضية في تنفيذ عملياتها دون اكتراث بالعواقب القانونية أو الأخلاقية.
رسالة قاسية
ما يُفاقم هذا المشهد هو ارتباطه بسياق أوسع من الانتهاكات التي لم تُحاسب إسرائيل عليها حتى الآن، رغم التقارير الدولية المتكررة. وتأتي هذه الحادثة بعد أيام فقط من تقرير منظمة “العمل ضد العنف المسلح” التي أكدت أن نحو 90% من التحقيقات في مزاعم ارتكاب الجيش الإسرائيلي لجرائم حرب أُغلقت دون توجيه اتهامات. هذه الحصانة غير الرسمية تفتح الباب لتكرار مثل هذه المجازر، وتغذي نمطاً ممنهجاً من الإفلات من العقاب.
إن مقتل عشرات المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، عند مراكز توزيع الغذاء، يبعث برسالة قاسية عن واقع الحياة تحت الحصار والنار: لا مكان آمن، ولا نقطة إنسانية بمنأى عن الاستهداف. إنها مأساة مركبة، تتقاطع فيها القنابل مع الجوع، والرصاص مع الحاجة إلى البقاء.






